ثقافية

بدر السماري:هناك فرق بين صوت الراوي والصوت السردي

اختيار صوت الراوي يحدِّد المنظور، إنه قرار استراتيجي يتوقف عليه شكل العمل ومساحة الرؤية في داخله. لقد كتبتَ أحيانًا بصوت الراوي الذاتي (الصوت الأول)، كما كتبت أحيانًا بصوت الراوي العليم (الصوت الثالث). ما المحدِّدات التي يترتب عليها قرارك في الاختيار بين النوعين؟ أيّهما أقربُ إليك؟ وما ميزة كلٍ منهما؟ صوت الراوي هو أحد القرارات المهمة التي يجب على الروائي حسم أمرها قبل أو مع بداية كتابة المادة الأساسية للنص السردي، صوت الراوي وإيقاع السرد والصوت السردي، وبشكل أكبر البناء الهندسي للرواية.. نعم، هناك فرق بين صوت الراوي والصوت السردي، إذ أن الصوت السردي يتعلق بالمتلقي أو المروي له، وكيف يتم القص أو سرد الحكاية.. هل يتم بصوت هامس حميمي، أم صوت غاضب أو صوت مرتفع، ساخر، صاخب، لا مبال.. إلخ. كل هذه الأصوات السردية تختلف بالطبع، ومن المهم على الروائي أن يكون واعياً بنصه السردي، ماذا يود أن يقول؟ ما الصوت السردي الملائم؟ وكذلك؛ ما صوت الراوي المتماهي مع نصه؟.. بل أيضاً كيف يرغب في بناء معماره الهندسي؟ المسألة تكاملية من جميع العناصر، وشخصياً أختار صوت الراوي حسب طبيعة النص، الأمر يتطلب دراسة العناصر كافة، لا أبالغ إن قلت مثل المخطط الهندسي، وعناصره هي بمثابة “كود البناء”. شخصياً، كتبتُ بصوت الراوي العليم، وجربت الكتابة بضمير المخاطب، وكذلك صوت الراوي الذاتي أو ضمير المتكلم.. كما مزجت في تجاربي أكثر من صوت، لكني متأكد أنني حين قررت أختيار صوت الراوي، لم أختار بسبب أن هذا الصوت أقرب لي من الصوت الآخر، بل أخترت صوت الراوي بناء على حاجة النص ومعماره الهندسي. في رواية ارتياب الأخيرة، مزجت في القسم الأول صوت الراوي العليم مع صوت ضمير المخاطب، وكانت الحالة تتطلب لذلك للتأكيد ونقل احساس الارتياب والشك للقارئ، حتى تبين للقارئ في القسم الثاني أن الرواي لم يكن عليماً، وتحول الصوت ليمزج ضمير المتكلم بضمير المخاطب.ضمير المتكلم بالطبع يتيح للراوي سرد ما يجول في داخل النفس البشرية دون تكلف، وهذا لا يتيحه ضمير المخاطب، وفي الجهة الأخرى، صوت الراوي العليم يلائم الصورة البانورامية للنص، صورة كلية تكاملية.. وبالطبع لا يوجد صوت أفضل من آخر، بل يوجد صوت مناسب لنص دون غيره.. هكذا أرى الأمر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى