من ملفات السفارة البريطانية توفيق السويدي أراد أن يظهر عداءه الزائف للبريطانيين

لما عرف عنه من مهارة ودهاء كبيرين في السياسة وحالما تألفت حكومته في شباط من عام 1946 اعلن رئيسها بان الضرورة تتطلب اعادة النظر بمعاهدة 1930 بحيث تنسجم مع التطورات السياسية العالمية الجديدة التي لم تعد تقبل العلاقة بين دولتين عضوين في الامم المتحدة وتتمتعان بالاستقلال التام في حين ان المعاهدة ترجح كفة بريطانيا بما يشكل اخلالاً بالسيادة العراقية كما اكد سعي الوزارة لازالة جميع القيود التي فرضتها ظروف الحرب العالمية الثانية وفي اول اجراء لها بعد تشكيلها فقد اصدرت امرا بانهاء حالة الحرب والغت القوانين المقيدة للحريات ثم رفعت الرقابة عن الصحف والغت الاحكام العرفية ثم اغلقت معسكرات الاعتقال وسمحت بتأسيس الاحزاب السياسية فتقدمت ستة احزاب بطلب الى وزير الداخلية (سعد صالح) لاجازتها فمنحت الوزارة لخمسة منها حق ممارسة النشاط السياسي وهي:. 1- حزب الاستقلال 2- الحز ب الوطني الديمقراطي 3- حزب الاحرار 4- حزب الشعب 5- حزب الاتحاد الوطني وقد وصفت السفارة البريطانية هذه الاحزاب بانها مجموعة من الساسة (الطامعين الى السلطة) وانها لا تشكل خطورة على النظام والحكومة. غير ان تلك الاحزاب عبرت من خلال برامجها على ضرورة الغاء او تعديل معاهدة 1930 وبدأت بحملة سياسية مناهضة للنفوذ البريطاني في العراق والمنطقة العربية وسار بالاتجاه نفسه رئيس الحكومة (توفيق السويدي) وحاول ان ينحو منحى الاحزاب في مطالبتها بتعديل المعاهدة. فاعلن بأن حكومته قدمت طلبا الى الحكومة البريطانية بشان تعديل المعاهدة لقد اراد (توفيق السويدي) بهذا الاعلان ان يمارس نوعا من الضغط على الحكومة البريطانية فهو لم يقدم طلبا لأنه اراد ان يحرج الحكومة البريطانية او ان يفسح الطريق للحكومة التي تليه للمطالبة بتعديلها بمجرد اعلانه عن هذا التصريح للاستجابة لطلب العراق بتعديل المعاهدة وقد اثار هذا التصريح المسؤولين البريطانيين الذين كانوا يخوضون جدلاً صعباً مع الحكومة المصرية بشان تعديل معاهدة 1936 المعقودة بينهما. فقام وزير الخارجية البريطاني بابلاغ السفير البريطاني في بغداد ان يطلع الحكومة العراقية بأن حكومته لاترغب حالياً بفتح مفاوضات مع بغداد بشان تعديل المعاهدة لانشغالها بالمحادثات مع المصريين اثارت سياسة (توفيق السويدي) مخاوف الوصي عبد الاله ونوري السعيد من احتمال تشجيع الاحزاب السياسية على تصعيد الموقف ضد الحكومة مما يعرضها الى مخاطر جمة وخاصة حزب الاستقلال الذي اظهر نشاطاً واسعاً ضد الحكومة،وهو الحزب الذي كان اعضاؤه من مناصري حركة (رشيد عالي الكيلاني)عام 1941،فاضطر البلاط الملكي لوضع هذه الاحزاب تحت المراقبة وراح يناصبها العداء للحيلولة دون توسيع نفوذها.
اما ساسة الجيل القديم فقد ابدوا تذمرهم من هذه السياسة وعدّوها خطراً على مصالحهم،ولوحوا بالنتائج الخطرة التي سوف تترتب على مستقبل النظام.وجاء تخوف هؤلاء الساسة ايضاً من السعي الجدي للوزارة باقامة انتخابات حرة تكون نتائجها لصالح خصومهم لذلك لجاؤوا للتكتل لاسقاط الوزارة وفعلاً تكتل سبعة منهم في مجلس الاعيان عند تقديم لائحة قانون الانتخابات ،وقاطعوا الوزارة،فأدت المقاطعة الى استقالة الوزارة في 30 مايس 1946،فتدخل الوصي في اللحظات الاخيرة خوفاً من وقوع ازمة وحصلت الموافقة على قانون الانتخاب فقط،كان توفيق السويدي اعلن قبل تسلمه الوزارة بان مشكلات البلاد الناتجة بالدرجة الاساسية عن ضعف الوزارات المتعاقبة لانها لم تستند الى مجالس تشريعية منتخبة انتخاباً حراً. ولم يكن التمثيل النيابي صحيحاً.فادى ذلك الى تباعد الثقة بين الشعب والحكومة،ولو كان هناك مجلس تشريعي منتخب انتخاباً صحيحاً لما وقعت الكثير من هذه المشاكل. ولما الف السويدي وزارته في شباط 1946 تقدم بمشروع قانون لتعديل قانون الانتخابات النيابية وكان اهم نقطة شملها التعديل جعل القضاء دائرة انتخابية واحدة بعد ان كان قانون عام 1934 يعدّ اللواء دائرة انتخابية واحدة.عدا مدينة بغداد التي قسمت الى دوائر انتخابية عدة وان تجري الانتخابات تحت اشراف المحاكم العدلية.وان يكون الحكام العدليون مرجعاً لشكاوي الناخبين والمرشحين،واشترط التعديل الاعلان المسبق عن المرشح بمدة لاتقل عن عشرة ايام قبل موعد الانتخابات.ويهدف هذا التعديل الى منع التدخل الحكومي في الانتخابات او الحد منه وكان التعديل الزم المرشح وضع تأمينات مقدارها مئة دينار تصادر منه في حالة عدم حصول المرشح على عشرة في المئة من اصوات الناخبين في منطقته الانتخابية،الا ان الثغرة التي ابقت للحكومة مجالاً للتدخل في الانتخابات هي طبيعة تأليف اللجان التفتيشية التي سمح لها القانون بحق الاشراف على الانتخابات حيث يجري تأليف هذه اللجان على اساس قيام مختار كل محلة باختيار ثلاثة اشخاص ويقوم هؤلاء بدورهم باختيار خمسة اشخاص اخرين،ومن بينهم يتم انبثاق اللجنة التفتيشية التي تشرف على الانتخابات في كل منطقة انتخابية،كما نص المشروع على الاجراء الانتخابات النيابية على وفق صيغة الانتخابات غير المباشر على درجتين،ورفضت الحكومة الاخذ بمبدأ الانتخاب المباشر (درجة واحدة) على اساس ان نسبة كبيرة من ابناء الشعب هم من الاميين،جوبهت لائحة المشروع بالانتقاد عندما عرضت على مجلس النواب في 8 مايس 1946 لعدم اعتماد مبدأ الانتخاب المباشر (درجة واحدة) وكان في طليعة من انتقادها النائب (صالح جبر) لان هذه الصيغة تعزز الصلة بين الناخب والمرشح وتحد من تدخل الحكومة في سير الانتخابات، والانتخابات المباشرة (درجة واحدة) تعني قيام المواطنين المؤهلين للانتخاب بانتخاب المرشحين مباشرة في حين كان مبدأ الانتخاب (على درجتين) الذي اخذ به القانون يعني قيام المنتخبين بانتخاب ممثلين عنهم وهؤلاء سيقومون بانتخاب المرشحين.وفي 21مايس1946 صادق مجلس النواب على اللائحة وبعد استقالة وزارة السويدي اسندت رئاسة الوزراء الى (ارشد العمري)في 1 حزيران 1946 وقد بدأت هذه الوزارة عهدها بالتضييق على القوى الوطنية وكبت الحريات الديمقراطية في حين لم يمض على تاليفها سوى بضعة ايام.جاء تكليف (ارشد العمري) المعروف بحرفه بهدف الضغط على المعارضة وتحديدنشاطها وخاصة فيما يتعلق بمطالبتها بالغاء معاهدة 1930 التي اوصت بها اللجنة الوزارية السابقة فاعلن في اول تصريح له غداة تسلمه منصبه بان حكومته لم تسع الى تعديل المعاهدة وان مهمتها الاساسية ادارة وانجاز الانتخابات العامة، ولما بدأ (ارشد العمري) معركته مع الاحزاب السياسية المعارضة لتحجيم دورها واضعاف نفوذها كان بحاجة الى دعم السفارة البريطانية له وفعلاً فقد شجعته السفارة البريطانية في البداية،وبدأ يضرب الاحزاب السياسية واغلق صحفها،الا ان السفارة البريطانية لم تكن راضية عن استخدام العنف بهذا الشكل ،ومضت الحكومة في سياستها القمعية.
ففي 22 حزيران تصدت لاحدى المظاهرات التي قام بها حزب التحرر الوطني وعصبة مكافحة الصهيونية وهما واجهتان للحزب الشيوعي السري احتجاجاً على سياسة القمع الجارية في فلسطين فقمعتها الحكومة بالقوة وسقط من جراء ذلك عدد من القتلى. وفي تموز جابهت الحكومة اضراب عمال شركة النفط في كركوك بالقوة عندما طالب العمال مجلس ادارة الشركة بزيادة اجورهم.وتطبيق قانون العمال وتوفير مساكن لهم،والسماح لهم بتكوين نقابات عمالية،غير ان ادارة الشركة تغاضت عن مطالبهم فاضربوا وقاموا بمظاهرة سياسية في كركوك مطالبين بتدخل الحكومة بوصفها وسيطاً وبدلاً من استجابة الحكومة لذلك ودخلولها وسيطاً بينهم جابهتهم بالقوة،والقت بعضهم في السجون،فاجتمع العمال في مكان يعرف بـ(كاوور باغي) في كركوك مطالبين باطلاق سراح المعتقلين،فقامت الشرطة بتفريقهم بالقوة وقتلت خمسة منهم وسقط اربعة عشر جريحاً،ابدت السفارة البريطانية عدم ارتياحها من اندفاع (ارشد العمري) ومغالاته في استخدام القمع والقوة.وكان مصدر قلق السفارة البريطانية هو ان العنف ضد القوى الوطنية،قد يدفع الاخير الى استخدام العنف ايضاً ضد السلطة فتضطر للالتجاء الى الجيش فيتحرك هذا لتغيير النظام فتفقد عند ذلك واحداً من اهم مرتكزاتها في المنطقة.من جانبه فان (ارشد العمري) لم يكن مقتنعاً بوجهة نظر السفارة البريطانية،ففي ايلول ارسل وزير خارجية العمري الدكتور (فاضل الجمالي) الى لندن لمناقشة الحكومة البريطانية في كيفية الحصول على دعم شامل لسياسته ،فكان جواب وزير الخارجية البريطاني معارضاً لوجهة نظر ارشد العمري.بل كان متطابقاً مع راي السفارة البريطانية في بغداد.واستغل وزير الخارجية البريطاني المستر (بيفن)وجود الدكتور (فاضل الجمالي) في لندن فأخبره بأن الوقت قد حان للدخول في مفاوضات بشأن تعديل معاهدة 1930.وعلى الرغم من وجود (ارشد العمري)في رئاسة الحكومة الا ان هناك رجلين فقط اخذا على عاتقيهما مسؤولية تنقيح المعاهدة هما (نوري السعيد والوصي عبد الاله).وفي 19تشرين الثاني دعى الوصي عبد الاله ونوري السعيد لحفلة عشاء في السفارة البريطانية،وتم الاتفاق في هذه الحفلة على البدء بالمفاوضات،وبعد انتهاء طعام العشاء حدد الطرفان النقاط المهمة لاجراء المفاوضات ،غير ان المشكلة التي جابهت السفارة البريطانية هي ان (نوري السعيد)لم يكن رئيساً للوزارة وان (ارشد العمري)ليس الرجل الملائم لهذا العمل.ويجب ان يكون (نوري السعيد) طرفاً في المفاوضات كي يسهل الطريق للمحادثات العسكرية.فارسلت السفارة في الحال برقية الى المستر (بيفن)تحثه على تشجيع الوصي عبد الاله لاقصاء (ارشد العمري) عن رئاسة الوزارة وتعيين (نوري السعيد) بدلاً عنه.كي يهيىء الاجواء للمباشرة في المفاوضات.
وفي اثر ذلك وصلت البرقية من (بيفن)الى الوصي عبد الاله بهذا المعنى.فلم يتردد الاخير في تنفيذ مضمون البرقية. فبعد مرور ثلاثة ايام اقال الوصي حكومة (ارشد العمري) وعهد بتشكيلها الى (نوري السعيد)وهي الوزارة التاسعة التي يشكلها الاخير.وفي اليوم ذاته اشار القسم الشرقي في السفارة البريطانية في بغداد بان على بريطانيا البدء بالمباحثات مع العراق.وقد وافق (بيفن)على ذلك على ان تكون ذات صبغة غير رسمية وخاصة في الجانب العسكري منها. حكومة نوري السعيد التاسعة:- عندما قبل نوري السعيد تأليف الحكومة فاتح (توفيق السويدي وكامل الجارجي قادة حزبي الاحرار والوطني الديمقراطي لترشيح اعضاء من حزبيهما لوزارته ،واتفقا ان ينوبا عنهما في التشكيلة الجديدة لكنهما اشترطا على (نوري السعيد) ضمان حرية الكلام في مجلس النواب،وان تقوم حكومته باجراء انتخابات حرة وعدم التعامل مع المشاكل بالتصريحات فقط، وانما بالعمل الجاد لحلها،واعلن (نوري السعيد) موافقته على هذه الشروط،وقد مثل الجادرجي في الوزارة (محمد حديد)بينما كان (علي ممتاز الدفتري) ممثل السويدي ،ولابد من الاشارة هنا بان (محمد حديد) يمثل الجيل الجديد من المثقفين ويدخل الوزارة لاول مرة.كما انه كان ثرياً،ولاترى السفارة البريطانية فيه شيوعياً متمرساً مثلما يريد كثير من خصومه ان يقنعوا السفارة البريطانية لتصديق ذلك- وكان تأليف الوزارة الجديدة(وزارة نوري السعيد) التاسعة بهذه الطريقة يعتبر انعطافة جديدة في السياسة العراقية، لان اعضاءها يمثلون اتجاهات مختلفة،وقد هنأ البريطانيون (نوري السعيد)على هذه التشكيلة الحكومية.وكان (بيفن)قد وضع كل آماله في (صالح جبر) بالتعاون مع الوصي عبد الاله لتوفير الدعم في مجلس النواب للمصادقة على المعاهدة باقرب وقت،وطلب اليهم ان يزيلوا سوء الفهم الذي احدثته الترجمة العربية لنص المعاهدة وبهدف تسوية الوضع في بغداد دفعت الحكومة البريطانية تكاليف عودة الوفد العراقي الى بغداد،وقامت طائرة خاصة بنقلهم من لندن الى قاعدة الحبانية،واكد (بيفن) على (صالح جبر)بان اللحظات الدقيقة هي لحظة الثبات والحزم في مواجهة الازمة ويجب الصمود امامها وعدم التراجع لكي نصل الى هدفنا الذي نريده وفي يوم 26كانون الثاني وصل (صالح جبر) الى بغداد وادلى بتصريح حال وصوله اكد فيه ان المعاهدة الجديدة تتضمن مزايا ايجابية،وستقول الامة كلمتها.الا ان هذا التصريح اثار الجماهير فخرجت مظاهرات حاشدة في بغداد تعلن غضبها ضد الحكومة.




