أول رحالة شرقي في القرن السابع عشر مصلاوي إنطلق من بغداد ليصل الى العالم الجديد

كان لعدد من الشخصيات المسيحية العراقية دور كبير في حركة النهضة العربية الحديثة التي نشأت في القرن التاسع عشر وخصوصا في العراق الذي شهد بدايات نهضة شاركت بها نخبة من المصلحين والعلماء والافندية ، ويكاد يكون تاريخ النهضويين العراقيين المسيحيين في الثقافة العربية مستتراً وخفياً عن الأعين بفعل التعتيم الذي مورس ليس ضد ادوار المسيحيين العراقيين حسب ، بل ضد كل المثقفين العراقيين في تاريخ ثقافة العصر الحديث .. دعوني اتّوقف تاريخيا وباختصار عند الرواد المسيحيين الأولين من العراقيين :
ولكن اذا رجعنا الى الوراء لوجدنا ان اول مستكشف للعالم الجديد ( = امريكا ) هو الياس بن حنا الموصلي الذي انطلق من بغداد ، ومن ثم روما نحو امريكا وعاد برحلته الشهيرة كأول رحالة من الشرق كله يصل العالم الجديد . وكان هذا ” الموصلي ” من أبرز شخصيات العراق في نهاية القرن السابع عشر، وهو المثقف المسيحي العراقي الكلداني (كان حياً سنة 1692م) وكان قد رسم كاهناً في بيعة الكلدان بالموصل ، ثم تنقل أهله بين بغداد والموصل وحلب ، وقام برحلة سياحية طويلة إلى قارتي أوربا وأمريكا، إذ غادر بغداد سنة 1668م، ومر بحلب فالإسكندرية فالبندقية فروما، ثم فرنسا وإسبانيا ومنها رحل إلى قارة أمريكا الجنوبية ، فمر بأجزاء من بناما وكولومبيا وبيرو وبوليفيا وشيلي ثم المكسيك، وعاد إلى روما سنة 1683م، ليقضي فيها ما تبقى من حياته، ولم نقف على تاريخ وفاته، لكنه طبع في روما كتاباً سنة 1692م ويعد هذا الرجل العراقي أول سائح شرقي/ آسيوي زار العالم الجديد بعد استكشافه من الاوربيين . ( وكانت رحلته قد نشرت منذ عهد بعيد ولكنني قمت بتصوير اصولها ومنحتها للاخ الدكتور عبد الله الخطيب لتحقيقها ، وقد اعيد نشر ما كان قد نشر عنها في مجلة المقتطف ) . وبالرغم من ذلك ، فان ما نشر في المقتطف قبل قرابة قرن من الزمن ، بحاجة ماسة الى التحليل والدراسة والمقارنة والخروج باستنتاجات مهمة ، خصوصا اذا ما علمنا بأن هذه ” الرحلة ” تمّثل باكورة الانطلاق الشرقي نحو المجهول في العالم الجديد . وتتضمن رحلته على معلومات جديدة استفاد العالم منها في ما بعد خصوصا وانها تسجيلات يومية عن مشاهدات حية لصاحبها .
ثمة شخصية عراقية مسيحية موصلية اخرى تمثلها العلامة يوسف عتيشة الموصلي المولود بالموصل عام 1599 وتوفي في المانيا عام 1680. ودرس الكلدانية والاشورية في العراق ، ثم سافر الى فلسطين واستقر فيها ردحا من الزمن ومارس التدريس هناك ودرس اللغات السامية وتاريخها وتتلمذ على يديه العديد من الطلبة ، ثم سافر الى المانيا ملتحقا بمعهد الاستشراق التابع لجامعة فيتننبيرغ ، وبعد مضيه اربع سنوات فيه حمل يوسف عتيشه لقب الاستاذية ( البروفيسور ) وغدا زميلا في ذلك المعهد وساهم في تطوير علوم الاستشراق واضاف الى دراسات المعهد لغات مهمة اخرى هي العبرية والسنسكريتية .. وتقديرا لجهوده العلمية الكبرى ، حفرت الجامعة صورته على قطعة خشبية ووضعت في مستودع الجامعة اعتزازا به وتكريما له على جهوده العلمية وثقافته العليا في اوروبا منذ ذلك الوقت المبكر من عمر النهضة الحديثة ( ولقد وقفت على معلومات تاريخية غاية في الاهمية على هذا الرجل عراقي الاصل عندما كنت استاذا زائرا في جامعة كيل بالمانيا الغربية في عام 1987 ) .
أما في النصف الأول من القرن الثامن عشر، فبرز رحالة عراقي آخر هو خضر بن إلياس هرمز الموصلي الكلداني (1679-1755م) الذي كتب أعمالاً أدبية وتسابيح دينية واعتنق مذهب الكثلكة، وسافر إلى روما والفاتيكان التي وصلها سنة 1725م وعاش فيها حتى وفاته وكتب رسالته” رحلة من الموصل إلى روما سنة 1719م ” وصف فيها رحلته البرية والبحرية، وتعرض إلى ذكر اضطهاده بعد اعتناقه مذهب الكثلكة . لقد غدا العراق في القرن الثامن عشر أكثر استقراراً وتطوراً وحركة اقتصادية وازديادا للنفوذ الأوربي التجاري والتبشيري، وارتفعت مكانة العراق كثيراً لدى البلاط العثماني، كما شهد العراق نشر المذهب الكاثوليكي من خلال الإرساليات المتعددة وبروز بعض الحركات والأفكار الإصلاحية، كما ونضجت بعض التقاليد العلمية والثقافية وارتقت المدونات ولغة الكتابة الأدبية والشعرية وبخاصة في الموصل، ولقد انجب العراق العديد من الأدباء والعلماء خلال القرن الثامن عشر.




