اراء

“شرعية المنهج الثوري ومنهجية المهادنة”

🖊ماجد الشويلي..
تُرى هل تقتصر الحركة الثورية على المسلمين فحسب أم أن المنهج الثوري هو منهج فطري نابع من أعماق ماجُبل عليه الإنسان من قيم يرفض من خلالها الانصياع للطغاة والخضوع للمستكبرين ؟.
فمن خلال استقراء تأريخ البشرية، واستنطاق آيات الله البينات ، تتكشف لنا حقيقة مفادها أنْ لافرق بين الفطرة النقية والدين .
((فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ))
والتأريخ البشري حافل بالثورات والانتفاضات على المستكبرين والطغاة والجبابرة ، وبعد أن جاء الإسلام عبر بشريعته السمحاء تعبيرا ناصعا وجلياً عن تلك الفطرة الإنسانية، وشرع الجهاد ووضع له أحكاماً خاصة ليشذب الحراك الثوري ويمنهجه بالنحو الذي يحافظ فيه على غائيته العقلائية.
وقسَّمه إلى أنحاء عدة ، منها على صعيد مجاهدة العدو ؛ جهاد ابتدائي، ودفاعي .
وعلى الصعيد الإعلامي كذلك .،فقد جعله
كما في الحديث الشريف

((أعظم الجهاد عند الله كلمة حق عند سلطان جائر))

وعلى المستوى الأخلاقي بين أن هناك جهادا يسمى (الجهاد الأكبر )وهو جهاد النفس ،للتغلب على ميولاتها وغرائزها الذميمة .
لكن بالنسبة لجهاد العدو والثورة عليه
في عصر وجود المعصوم “ع ” فإن المعصوم “ع “كان على رأس الثائرين والمنتفضين ضد الظلم والطغيان والاستبداد .
صحيح أن المعصوم “ع” لم يحدد كيفية معينة لشكل الانتفاضة بوجه الظالم والخروج عليه وكان إذا أراد الخروج والثورة بنفسه أو بقيادته يتحين الظروف المناسبة لتلك الثورة ويرسم لها سيناريوهاتها الخاصة بها كما فعل الإمام الحسين” ع” .
لكن في الوقت ذاته لم نسمع بأن المعصوم “ع” حرم الثورة على الطغاة أو حصر اندلاعها بإذنه فحسب .
إلا في حال كانت الثورة مدعية أنها بأمره وهو لم يأمر بها ، أو أن الثورة تعرقل أو تؤثر تأثيراً مباشراً على خطته (ع) والستراتيجيات التي يرسمها
ولو أخذنا على سبيل المثال موقف الإمام الصادق عليه السلام من ثورة عمه زيد (رض) نجد أن الإمام كان يترحم عليه ويدعو له ، ولم يصدر عن الإمام ماحرم على زيد “ع” القيام بالثورة .
يقول الفُضيل : دخلت على الصادق (عليه السلام) فقلت في نفسي: لا أخبرته بقتل زيد بن علي فيجزع عليه، فلمّا دخلت قال لي: يا فُضيل ما فعل عمّي زيد؟ قال: فخنقتني العبرة، فقال لي: قتلوه ؟ قلت: إي والله قتلوه. قال: فصلبوه؟ قلت: إي والله صلبوه. فأقبل يبكي ودموعه تنحدر على ديباجة خدّه كأنّها الجُمان، ثم قال: يا فُضيل شهدتَ مع عمّي قتال أهل الشام؟ قلت: نعم. قال: فكم قتلت منهم؟ قلت: ستة. قال: فلعلّك شاكّ في دمائهم؟ قال: فقلت: لو كنت شاكاً ما قتلتهم. قال: فسمعته وهو يقول: أشركني الله في تلك الدماء، مضى والله زيد عمّي وأصحابه شهداء مثل ما مضى عليه علي بن أبي طالب وأصحابه [
بحار الانوار ج46ص182.

وهذه الثورة كنموذج ، نستكشف من خلاله أن أصل العمل الثوري عمل مشروع خاصة إن كان هناك ظلم واضطهاد وقهر، حتى من غير إذن المعصوم” ع” بشكل مباشر .
نعم إذا نهى المعصوم عن الثورة فذلك بحث آخر .
أما في زمن الغيبة وامتلاك الفقهاء زمام الإفتاء فإن العمل الثوري كذلك لم يتوقف
ففي الشام أفتى السيد عبد الحسين شرف الدين بالجهاد ضد الفرنسيين،
وفي العراق فجر الفقهاء ثورة العشرين، وفي إيران وباكستان وغيرها من البلدان التي يقطنها الشيعة هناك الكثير من الثورات والانتفاضات .
حتى قيل (إن الشيعة أهل ثورة وليسوا أهل دولة) حتى جاء الإمام الخميني( رض) والشعب الإيراني وأثبتوا بطلان هذه المقولة
إننا الآن لسنا في معرض إجراء المفاضلة بين الخط الثوري وخط الانكفاء بقدر ما نسعى لتثبيت شرعية العمل الثوري ومشروعيته في زمن الغيبة
الكبرى .
فالعمل الثوري يفرق عن إعلان الجهاد بمفهومه الفقهي العام ، حتى يقال إن العمل الثوري يستلزم أمرا شرعياً من مرجع التقليد حصراً .

أذكر أن شاباً جاء ذات يوم للسيد حسين بحر العلوم (قده) في منتصف تسعينيات القرن المنصرم وكان البعثيون قد عاثوا في أرض العراق فسادا ، ليأخذ منه الإذن بقتل أحد جلاوزة البعث .
وماكان من السيد بحر العلوم إلا أن قال له باللهجة العامية ((هو أنت كتلته وآني كتلك لا))!!
وحتى الجهاد الابتدائي الذي يرى جملة من الفقهاء أنه مرهون بأمر المعصوم ع فإن
زعيم الحوزة العلمية والمرجع الأعلى في حينه السيد أبو القاسم الخوئي (قدس)
على سبيل الفرض كان يرى أنه بإمكان مرجع التقليد (الفقيه )أن يعلن الجهاد الابتدائي .
وتبقى العلة واحدة سواء بإعلان الجهاد أو الثورة والانتفاضة هي إمَّا لحفظ الدين أو الأرض والعِرض أو لحماية النفس المحترمة والمال وماشاكل.
البعض يتصور أن العمل الثوري لابد أن يكون بغطاء شرعي ؛نعم هذا الأمر صحيح
لكن في ذات الوقت يجب علينا أن نلتفت إلى أن هناك أحكاماً ثابته في الإسلام
غير مرتبطة برأي الفقيه .
فأصل أداء الحج وصيام شهر رمضان ووجوب أداء الصلاة هذه أحكام لايحددها الفقيه وإنما يتدخل في بيان تفاصيلها وحيثياتها .
وآراء الفقهاء تختلف في المسائل الشرعية التفصيلية كاختلافهم في المفطرات مثلاً.
لكن هذا الاختلاف في هذه الجزئية لا يمنع من الامتثال للأمر الإلهي القاضي بالصوم وأطنابه .
لعل البعض يصر أن المقاومة بكل أصنافها الثقافية والعسكرية وغيرها لاتصح إلا بأمر
شرعي ، ويأتي الكلام هنا ماهو ملاك الشرعية عندكم .
هل هو كتاب الله الذي تعج آياته بالدعوة للجهاد ومقارعة الظالمين ، أم سيرة أهل البيت “ع” الطافحة بهذه المعاني .؟
أم رأي الفقيه ونحن نعلم أن آراء الفقهاء متباينة في كثير من المسائل ومنها تحديد (زمكانية) الجهاد والمقاومة ، فما يراه بعض الفقهاء وجوباً يراه البعض الآخر كراهية أو حتى حرمة وهكذا .
نعم قد يرى البعض أن شرعية المقاومة والجهاد محصورة بفقهاء النجف الأشرف وليس في حوزة أخرى كحوزة قم المقدسة باعتبار أن المرجعية العليا فيها .
لكن الواقع يكشف غير ذلك، فبعض فقهاء النجف يفتي بالجهاد والمقاومة كما أن بعض فقهاء قم لايرون الجهاد والمقاومة !!

وعليه لايصح أن يقال إن العمل الجهادي ليس شرعياً خاصة إذا كان مستندا لحجة شرعية، ورأي فقيه جامع للشرائط ، فضلاً عن أسس وضروريات الدين التي حثت على العمل الجهادي .
الغريب أن هناك من يعتقد بوجود المهادنة الشرعية لأنها تستند لرأي فقيه من الفقهاء
ولايقر بوجود الحركة الثورية التي تستند أيضا على رأي الفقهاء.
اعتماداً على أن شرعية العمل الجهادي هي الأساس ببيان صحة العمل من عدمها ،ورغم أن هذا صحيح جدا إلا أن هذا الأمر لايمكن إحرازه إلا بحضور المعصوم “ع”
أما في زمن الفقهاء فإن غالبية الأحكام الحساسة كالجهاد والمقاومة ونسق العلاقات الخارجية خلافية بين الفقهاء
.بل لو أننا تعمقنا أكثر ودققنا في الأمر سوف لن نجد شيئا اسمه المهادنة الشرعية في زمن المعصوم “ع”.
فكل سيرة المعصومين” ع” كانت عبارة عن مجابهة مستعرة مستمرة بينهم وبين الطواغيت وماتلك المحطات التي عقد فيها الصلح كصلح الحديبية وصلح الإمام الحسن “ع” إلا هدنة في إطار الحرب والمواجهة ، وليست هدنة بديلة عن المواجهة بل للتمكين من المواجهة .
نعم البعض هكذا يتصور أن الهدنة هي منهاج بديل عن المقاومة والحال أن الهدنة موقف جزئي من استحقاقات المواجهة أحياناً تقتضيه ظروف المعركة والمواجهة .
وهي مسألة وقتية ومحددة بأسقف زمنية
كصلح الحديبية وصلح الإمام الحسن” ع” وليست مفتوحة (منهاجاً).

فلم يكن الصلح أو المهادنة هي المنهاج الأساسي للرسول الأعظم (ص) والإمام الحسن (ع) بل كان الأساس هو الحركة الثورية الجهادية المعلنة .
إن المهادنة لاتأتي إلا بعد مواجهة معلنة ولاتأتي ابتداءً حتى يتصور البعض أننا في الشريعة أمام منهجين الأول مهادن والآخر
ثوري .
إن منهج الحسن “ع” كان منهجاً ثورياً طرأت عليه ظروف قادته للهدنة المؤقتة.
ومنهج الحسين “ع” منهج ثوري دفعته الظروف والملابسات لتكثيف العمل الجهادي إلى أبعد حد .
ومن الظلم للإمام الحسن “ع” أن يُجيَّر المنهج المهادن باسمه لالشيء إلا ليبرر بعض المتقاعسين تقاعسهم وانكفاءهم عن مواجهة الطغاة.
ولم يقف هذا التبرير عند ظلم الحسن” ع” بل امتد لثورة الحسين” ع” وتضحيته بذات الدوافع النكوصية ليقول البعض إن نهضة الإمام الحسين “ع” وحركته الفدائية للإسلام بمشهدها التراجيدي المأساوي هي تكليف خاص للحسين “ع” وحده فحسب ولايحل لغيره.
ويؤسس لهذه الفكرة كي تتحول منهاجاً سلوكيا بغطاء شرعي يستهوي النفوس التواقة للدعة والراحة والهناء وما أكثرهم
ويحقن ضميره بمخدر هذا التبرير الواهي ليسلم من تأنيباته ووخزاته .
لكن سرعان مايفقد هذا التبرير مفعوله مع أول إهانة يوجهها له المستكبر والطاغي الذي داهنه في الحقيقة ولم يهادنه بروح ثورية .

 

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى