ثقافية

“الديوان الاسبرطي” تكشف مساوئ الاحتلال الفرنسي للجزائر وجنون نابليون

المراقب العراقي/ القسم الثقافي…

يرى الناقد غسان حسن محمد ان رواية  “الديوان الاسبرطي” لعبد الوهاب عيساوي الفائزة بجائزة البوكر 2020 تكشف مساوئ الاحتلال الفرنسي للجزائر وجنون نابليون بونابرت.

وقال محمد في قراءة نقدية خص بها (المراقب العراقي): لم يكن التأريخ الا حكايات مهضومة في جوف القراطيس..سرديات كبرى وصغرى أسس لها الحكي منظومته الوجودية، شفاهيات او مكتوبات.. حكايات امدت التاريخ بنسغ الانبعاث واخذ حيزه المادي والمعنوي، واقعاً واثراً في مخيال ومدركات الانسان.

واضاف : ان التأريخ بوصفه” حركة الزمن من خلال المجتمع” حمل انفعالاته وتأثيراته وتأثراته عبر الميدان الفكري والتأملي بعد ان غدا علماً تتحقق فيه الوثائق والمخرجات العلمية والسرديات في صيغة العرض والتلقي من قبل الاخر.، نقلة نوعية اخرجت التأريخ من زاويته الضيقة في الانوجاد والتكيف وفق فرضيات السلطة،(التأريخ علم سلطوي وعن السلطة، يدور حول مقولتين سلطويتين، هما الانتصار والهزيمة، ينتج ويعاد انتاجه في مؤسسات سلطوية لاتقتصر في الرقابة جاذبة ماتريد ومبرزة ما تشاء وترغب، وبداهة، فإن ثنائية النصر والهزيمة، وهي سلطوية المنظور والغايات، تفضي لزوماً، الى تاريخين متعالقين، متباينين يحدث احدهما عن منتصر جدير بنصره ويسرد ثانيهما سيرة مهزوم لايليق بنصره) ( فيصل دراج/الرواية وتأويل التاريخ/ ص82).

وتابع : ان وظائفية الرواية كفن جمالي فكري عندما يتعكز على المدونة التأريخية تتجلى في التحدث عن الارواح الممزقة والتغني بالقيم الانسانية بموضوعية تحمل نبلها وقيمها السامية لاتحيزات ايديولوجية تمسخ الحقائق وتحجل بقدم واحدة، مبصرةً بعين واحدة، تغمط رؤية العديد من الحقائق وفق فرضية الغالب والمغلوب..الرواية بفعلها التخييلي تعمل على بث الرفعة في نسغ التأريخ وعقد توازناته كمعادل موضوعي له،بأنساقها الرمزية والثقافية.، تبث روح الفن والجمال لاكمال دائرة التلقي وخلق تصورات جديدة في عوالم الحقائق واليقينيات التي لا تصل الى اطلاقيتها كمسردوات تأريخية، بل تظل قابعة في فضاءات التأويل والاجتراحات المعرفية ذات المقصديات النسبية.

واشار الى ان اولى العلامات السيمائية ذات الوظيفة العلاماتية والاشهارية والابلاغية هي “العنوان”، تخبرنا المدونة التاريخية ان ” اسبرطة” مدينة يونانية كانت حاضرة البحر ،تأسست قي القرن العاشر(900)ق.م ذات مجتمع يتبع النظام العسكري، أنشأت ابناءها على القتال..لكثرة الحروب التي خاضتها ضد “اثينا” حتى توحدت المدينتان ضد غزو الفرس في القرن الخامس(400)ق.م والذي عرف بالحروب الميدية حيث ان الرواية تؤرخ للحملة الفرنسية لاحتلال الجزائر في العام 1830م حيث ان الجزائر غدت معادلا موضوعياً لاسبرطه اليونان فكلاهما حاضرة الماء.

واستطرد :يفتتح عيساوي روايته بموجه قرائي للشاعر الالماني “غوته” في ” الديوان الشرقي” يذكر فيه:(الشرق والغرب على السواء، يقدمان لك اشياء طاهرة للتذوق..فدع الاهواء، ودع القشرة/واجلس في المأدبة الحافلة/ وما ينبغي لك، ولا عابراً/ ان تنأى بجانبك عن هذا الطعام)، يصف الروائي الشرق كمأدبة حافلة بما لذَّ وطاب من الاطعمة ..الفريسة كبنية مضمرة في خطاب ايديولوجي تسيره عوالم الكولونيالية.

ولفت الى ان :استدعاء الوثيقة التأريخية بعد مرور نحو مايقرب من قرنين من الزمان..، له مبرراته الكتابية في ذهنية راوٍ معاصر..،سوَّد الصفحات مستعرضاً مفاعيل الكولونيالية وهو يمخر عباب غزوين تعاقبا على “ارض المحروسة” كما يدعوها كراوٍ عليم في حكايته الاطارية..الغزو العثماني وخطابه الاسلامي الظاهري والغزو الفرنسي وكلاهما ينهب ثروات وخيرات البلاد.

ومضى الى القول :على لسان ” ديبون” الصحافي الفرنسي الذي رافق الحملة الفرنسية على الجزائر عام 1830م، تبدأ الرواية بحدث هام في العام 1833م..حيث تحمل البواخر الفرنسية عظام الموتى من الجزائر لاستعمالها في تبييض السكر في المعامل الفرنسية..يعود ” ديبون” الى الجزائر لمعرفة الحقائق..يلتقي صديقه القديم “ابن ميّار” الذي يناضل لاستعادة المساجد والزوايا وضيعته بعد ان صادرها الاستعمار الفرنسي وجعلها مخازن لاسلحته ومقرات لجنوده..ابن ميّار الميَّال الى العثمانيين ذلك انهم لم ينتهكوا حرمة الامكنة الدينية..ابن ميار يحمل عرائض الشكوى الى الحكام المستعمرين والى الملك الفرنسي ولم تثمر عن شيء..، وادت فيما بعد الى نفيه نحو اسطنبول من قبل “كافيار” الشخصية الرئيسة في الرواية، ” فالديوان الاسبرطي ” هي مذكرات “كافيار” ذلك الرجل المغرم بنابليون ويرى فيه المخلِّص والذي عمل كجاسوس في الجزائر دوّن المعلومات عن البشر والارض والشجر ليصبح فيما بعد حاكماً على الجزائر”العاصمة”..ديبون” يمثل صوت التحرر والانسانية بكل قيمها ومعاييرها العليا..يرى ان “نابليون” ليس سوى مجنونٍ تجاوزته أحلامه وادت الى هلاكه..(الرواية).

وبين ان :كافيار المستعمر رمز القوة والسياسي الحاذق ورؤيته الكولونيالية في ان المال هو” الإله” وما على الرجل الاوربي” السوبر” المتفوق على بقية الاعراق من البشر سوى استثماره وتسخيره لخدمته.

وبين ان :الرواية قُسمت الى خمسة اقسام توزعت في كل قسم منها وفق مصفوفة سردية “ديبون، كافيار، ابن ميّار، حمة السلاّوي، دوجه)..خمس شخصيات تسرد يومياتها..، تارة على لسان السارد العليم واخرى على لسان الشخصيات (السارد الضمني)، على ان تدخلات السارد العليم قد قيدت نمو الشخصيات في اكثر من موضع للرواية..يوميات رتيبة ليس فيها من حبكات تغير مسار القص او على اقل تقدير تبعد القارئ عن الرتابة والملل واللاجدوى وهو يقرأ ما جادت به البوكر العربية.. احداث بسيطة لاتبعث الحياة في روح الرواية ولا تنتج تخييلاتها الفاعلة في الوعي والمدركات ..الشخصيات العربية في الرواية مأزومة ومحبطة ويائسة على الدوام..، حتى شخصية السلاوي الرافض للاحتلالين ومن اسمه “حمة السلاوي” تظهر في الرواية كشخصية متهورة لاتعرف سبيلا للتعقل وتحقيق المصالح الشخصية او العامة.

وختم :عوداً على بدء ..مانفع استدعاء الوثيقة التأريخية اذا لم يكن هناك انزياحات في المعاني وبناءات جديدة وافق تجلٍّ يحمل مواضعات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى