عباس شكر .. عراقي يسكنه هاجس الوطن .. المصريون نصبوه عميدًا للشعر العربي

المراقب العراقي /القسم الثقافي …
يرى الشاعر والناقد وليد حسين ان الشاعرعباس شكر يمكن وصفه بساكن مناطق الجمال الشعري عبر كثافة الصور وقوة بناء الجملة الشعرية في قصائده .
وقال حسين في قراءة نقدية خص (المراقب العراقي ):ان الشاعر عباس شكر لاينفك عن التماس جوهر المعنى في قصائده ،فيدور حولها محرزًا تقدمًا في الكشف عما يريد أنْ يوصله من متبنيات يشدّك اليها غير مكترث باختيار البحر وتموجاته، لانّ موسيقى البحور عالقة في ذهنه ، لطالما يردد أنغامها في خلواته ، لذا وجدته قد أتقن الكتابة في بحور غادرها الشعراءُ منذ وقتٍ بعيد كالبحر المنسرح ( مستفعلن (فاعلن – فعلن ) مفاعلتن ) مثلا ، وبحور أخرى. واضاف : وفي تقديري ،وأكاد أجزم بأنّ الشاعر متى ما أستطاع الكتابة دون تكلفِ على عدد من البحور ،وبقواف متعددة دون الاصطفاف مع شعراء بحر الكامل ،والبسيط يمكن أدراجه ضمن قائمة الشعراء النخبة يقول في المنسرح
قمحٌ بوجناتكم ومبتسمُ
هل بيدرا حاصدٌ به النعمُ
هل آيةٌ رُتّلت بوجنتكم
تجويدها شفةٌ ومحتكمُ
أم نغمةٌ مبهرٌ مسامعُها
تغفو على وترٍ به النغمُ
يا ليلتي عدلت بعيشتنا
والفجر باغٍ بنا فمقتسمُ
وتابع :ان التقاء الوعي الشعري الذي أعبر عنه بالموضوعة ،والوعي في اختيار البحر والقافية، سوف ينتج رؤى مغايرة لما هو سائد، وهذا ما جادت به قريحة الشاعر عباس شكر ، في كشوفات الجمال والآيات في وجنتي حبيبته ، التي تغفو على وتر بهِ النغم ، وقد أشبع نصه بتحذير أمته مما أصابها من جور وسقم ، والذين نجوا بمعجزة ، فالله ( جلّ ثناؤه) منجيهم ، ومنتقم لانّ الشاعر شكر يسكنه هاجس الوطن والانتماء ، فلا يقدر عن التخلي مما آمن به .
ومضى الى القول ك قد أنهكني في البحث عن وزن قافيته اللاميّة ، كما أنه أنهك البحر البسيط (فعلن مستفعلن فعلن ) فقال على منهوك البسيط
تعِبٌ منهوكه أبدا
عسلٌ ينضو على لَممِ
ألمٌ لو ديف في سُررٍ
لَهوتْ من جنّةِ السلَمِ
ركضتْ يا موطني طرقي
قدراً هل خُطَّ بالقلمِ
بعدتْ لو كلّما قربتْ
حلمٌ يحدو بمنصرمِ
أرقٌ ما نمتُ في سحَرٍ
وسنٌ قد خان بالنوَمِ
واوضح : في قصيدته التي ألقيت في مهرجان ( حياة ياعرب) بتونس الخضراء ، تماهى مع معلقة الشاعر الجاهلي عمرو بن كلثوم ( إذا بلغ الفطامَ لنا صبيّ) ، وهذا مايليق بالشاعر عباس شكر ،وهو المزهو بعراقيته الممتدّة من جبال كردستان الشموخ والمنعة الى بصرة الخليل والسياب ، حيثُ العزة والطيبة والسماحة والندى وقد جسّد ذلك في رائعته على الكامل
للان ما غربتْ شموسٌ عندنا
فالكون يبقى عندنا مأمورا
هزّتْ بجذع عراقنا كم مريمٍ
فاسّاقط الرطبُ الفراتُ تمورا
من طينهِ أخذَ الألهُ لادمٍ
صلصالَهُ ثمَّ انتقاهُ عبيرا
ويقول أيضا
وتنفّسَ الصبحُ الشجيِّ هواءنا
والفجرُ يصفعُ غادراً وفجورا
ذبحٌ عظيمٌ والكفوفُ تطايرتْ
والنهجُ أمسى عشقَنا ممهورا
فالطفُّ ليس بليلةٍ ثمَّ انقضتْ
لمّا يثورُ عراقُنا …فدهورا
واشار الى ان عباس شكر من مؤيدي القصيدة القصيرة ، والمتوسطة ،ولكن المطولات يختارها في المهرجانات الشعرية ، و يكتب على البحور كافة ، دون ان يقف عند بحر كثيرا حتى ينتقل الى بحر آخر ، ويمكنني القول بأنه شاعر فحل، ولعلّ الأصمعي قد كتب عن الفحولة الشعرية من خلال مؤلفه الرئيس ” طبقات فحول الشعراء” قد وظّف وضمّن الفحولة في كتابه ، و ما رأى من مسوغات في تحقيقها ، بيد أن الأصمعي لم يكن سباقا إلى تحديد الفحولة عند الشعراء ، ” فقد سبقه الجاحظ ، وهو من روي عنه قوله ” أنَّ العرب تقسم الشعراء إلى طبقات فأولهم الفحل .. “وهذا يؤكد رسوخ المفهوم في أدبيات الشعر ، والثقافة لفترة طويلة مضت، الا أن الأصمعي كان أكثر دقة و تنظيرا في تحديد مستويات الفحوله ،و في تمييز الشاعر الفحل عن غيره من الشعراء الْمُفَضّلين وَالْمُتميزين ، فالْفَحْلُ مِنَ الشُّعَرَاءِ هو الَّذِي يَغْلُبُ بِالْهِجَاءِ مَنْ هَجَاهُ.
وزاد : لا أظن نفسي قادرا على استيعاب فكرة الفحولة في القدرة على الغلبة ، والنصر في التمكين على هجاء من هجاه ، ولكنني أذهب الى ان الفحولة هي الفروسية ،كما أضع اشتراطات لها ، في الكتابة على مختلف الأوزان ، وكذلك تناول مختلف القوافي ، إضافة الى غزارة بالإنتاج ، وفي قولبة القصيدة بالعمود الحداثوي في التماهي مع عصرنا الحاضر ككثافة الصور ، والانتقال بذهن المتلقي الى مناطق أكثر تخمة بالجمال ،وقوة بناء الجملة الشعرية ، وهذا لايتحقق الا عند عدد من الشعراء ، الذين يمكن ان نصفهم بالفحولة او شعراء النخبة ،وقد أطلق على الشاعر عباس شكر عميدًا للشعر العربي في مصر ، و وجدت له اثناء قراءتي لعدد كبير من نصوصه ، حسّه العربي ، وله إنتماؤه القومي ، وقد تغنى في قصيدته على الخفيف بمصر العروبة
شعبُ مصرٍ بطِينهِ يتماهى
طوقُ طيبٍ يطابقُ الإطواقا
فتكنّى كنانةً وتكفّى
حينَ يوفي بفيئهِ الترياقا
وقال ايضا في القصيدة نفسها
مصرُ تبقى لنبضِ كلِّ شريفٍ
وكرومٌ كم أكرمتنا زِقاقا
وهي أمنٌ لنازحٍ أوغريبٍ
سلْ طريفاً وتالداً والرفاقا
لو يجوعُ الغريبُ فيها ستُهدي
خُبزاتٍ من روحها الأطباقا
فأمّ الدنيا باقية في الأحداق .
وختم :ان للشاعر بضع مجاميع شعرية ، أذكر منها بصمات عربية ، الاعتذار ، يا راحلا، أدميت قيدك ،رحلة الطين ، جود الزمان ،وجه آخروقد صدرت معظمها عن دار أفاتار في مصر ، وما زال مواظبًا على تحقيق ذاته .



