ثقافية

الخطوات

 

جمال نوري

وحدهما خرجا, في يده كان المسدس كدُميةٍ ، وجد نفسه مرغما على ألإمساك  بمقبضه وهو يدفن كفه في جيب معطفه ألأسود الطويل. أسلمت قيادها له, ذلك الذي تلظى منذ عشرة أيام على نار ألألسن التي كانت تلسعه بسياطها كلما ذهب ألى السوق أو عاد.. أصبح ألأمر أكبر من أن يطاق وما عاد أمامه غير  خيار واحد سيريحه من أوجاع الليالي التسع المنصرمة..

وحدهما أصبحا أمام الخلاء بوحشته وهيبته..بعيدا عن البيوت التي ناءت إلى الحد الذي أصبحت وكأنها ثآليل متقيحة تنتظر الانفجار…كان ملمس الحديد يثير في نفسه ألريبه والشجن, لم يكن يصدق لحظه واحدة أنها فعلت ذلك بمحض أرادتها..لاشك أن ذلك المتغطرس قد أستدرجها ونصب لها فخا محكما..

حاولت أن تفسر للجميع بأنها ليست مذنبه ولم تفعل معي لأنها كانت تدرك بمجساتها أنني أصدقها, لقد نشأت على حكاياتي وقصصي التي رويتها لها..لم تكن لتغفو الا على ذراعي وهي تستسلم للنوم بتؤدة وسكينه يشفعها الدفء الذي كنت أوفره لها..لم أستطع أن أمنع دموعي السخية وهي تتعثر في لحيتي الكثة التي أطلقتها منذ سماعي خبر اغتصابها من أبن الوالي…                                                                هنا..في هذا المكان سينتهي كل شيء على هذه ألأرض الجرداء سيسيل دمها  وبعد أن تسقط وهي تتلقى رصاصتي ألوحيدة ستفتح عينيها على سعتهما وتقول لي..أبي..أحبك دائما..

كاد الرجل أن يسقط وهو يحاول جاهدا أن تتماسك خطواته المضطربة وخلفه البنت التي مضت بخطواتها المثقلة وهي تجوس أرض الموت بانتظار لحظه الحسم التي سينفذها ألأب..كانت تدرك أن جريرتها لن توفر له فرصه العيش بعد ذلك بأمان ولم تفكر  بالهرب..إلى أين ستهرب وهي تنوء بخطيئتها التي لن تطهرها بحار العالم وأمطار السماء…اقتربا من حافة الجبل..بدا المنحدر وهو يطل على هاوية سحيقة نهاية المطاف التي ستجعل الرجل يسحب مسدسه ويجرح السكون بالطلقه الوحيدة التي عبأها في المخزن….هنا كانت ألأرض تزدحم بأنواع ألأزهار الملونة حين كان الربيع يدعوهما إلى نضارته وسحره وعنفوانه..كانا يركضان, طفلة الأمس جميلة بضفائرها وملابسها الملونة. يمسك بيدها ويعدوان. ثم تحضنه بقوة و حب وألفه جمعتهما حتى أنها لم تكن تستطيع ان تفارقه لحظة واحدة..

وقفا وحيدين في العراء..بينهما خمس خطوات مرتعشة ..كان قلبه يخفق بقوه بينما ترك جسدها الخائر يهفو ألى الأرض..مد كفه الباردة لتلامس شعرها المبعثر وشعر لوهلة أنه يعدو خلفها وهي تكركر بضحكاتها الرقراقة مثل نسمات عليلة أو مثل فراشات انبثقت على حين غرة من باقة ورد فواحة…

بكى بصمت وأخرج المسدس الذي بدا ثقيلا…أثقل من كل أوجاعه …توقف لوهلة ثم تراجع قليلا وهيمن صمت كالرصاص. دبق  كالطين المعجون بماء المطر..أمسك بالمسدس وصوب الفوهة نحو الرأس الساكن بخصلات الشعر المتناثرة..سيضغط ألان على الزناد..

ضغطه خفيفة واحده وسأنهي الأمر..ذلك الجبان دمر حياتها بنزوته الشيطانية..ستبقى هذه اللعنة تطاردني ألى باب قبري..أي عار هذا الذي سأتخلص منه !! أبنتي الحبيبة الوديعة والرقيقة كجناح فراشة.                                                                        كيف تطاول عليك ذلك الوحش ومزق براءتك ؟.

استدار الرجل إلى ألخلف ومضى بخطوات واثقة نحو المدينة التي لاحت من بعيد وكأنها فم وحش كاسر بأنياب متآكلة..بعد لحظات سمع دوي رصاصه هائلة مزقت ضوضاء المكان وأخرست ضحكات مدوية لرجل لم تفارق يده زجاجه الخمر وشهوة خاسرة تبرق في عينيه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى