تهجدات الصحارى .. صرخة الوحيد

عبدالامير المجر
في ليل توحّده، وسط الصحراء المترامية، انفلتت نظرات الجندي في آماد اخذت تتقصف من حوله كبالون مثقوب، وتسابقت سنينه، تستجلي آثار خطواته القصيرة، صبيا، يتعثر بين اكواخ قريته، يسابق واترابه رسل الريح، يلملم صدى الصرخة التي دوت في اديم العطش الجاثم على انفاس الفرات، مارة بعصور تلبّدت بدخان اسود .. (( أما من ناصر …. ني))، فحينما كان صوت (الوحيد)، ينساح وسط تقاطعات النشيج المضيء التي يعج بها ليل عاشوراء، كانت زفراته الغضة، تمّحي كعصافير مذبوحة فوق اديم الطف القاتم، منثالة امامه، فراسخ الخيول الجامحة، تتسابق عبر مسالك الدموع المنحدرة فوق الخدود المتغضنة .. يحدث، وكلما الصقت امه خدها بخده ان تختلط دموعهما، لتتساقط كحبات مطر دافئة، وتحفر في التراب صورة (تشبهها)!! فتزفر الارض بخارها، غماما ابيض، يصعد نحو الاعالي، حاملا صدى الزفرات .. في ليل اغفاءاته القصيرة، ترتعش سارية القصب التي تعلوها راية بلون احلامه الخضراء، وتتطاول عند مدخل كوخهما الصغير في فضاء مبهم، فيتعتم ضباب اطيافه الابيض، وتقتحم جوانب الكوخ، قطعان من الذئاب، تثب نحو جسد أمه، كلما حاول صدها بيديه الطريتين، أحاطته من كل صوب، فتهطل السماء مطرا اسود، يسبقه نشيج كالرعد، تلتمع في وميضه صور متداخلة .. يفز مذعورا، ويحتضن امه ويجهش ببكاء مر، فتسيل دموعه على صدرها، لترسم بين عروقه الناتئة، صورة (تشبهه)!!
رذاذ النشيج، يمور في دمائه، يوقظ سكون الارض من حوله، وفي صياصي ذاكرته، تزاحمت سنابك الخيول، وصدى صهيلها، يمخر في عباب روحه، صعودا، فتطل صورته الغضة فوق بلل الخدود التي كانت تتيه وسطها نظراته . صامتا، وسط بريق آخر يفضح في ليل الصحراء، صورا، تتوهج، تم تخبو امام عينيه الشاردتين نحو اعماق ماضيه، ومن فوقه، ترادمت اصوات مجفلة، فنزت من اعماقه تنهدات، كانت تخالط شجونا، يفضحها رشح عيني امه في لحظات، كان يضيع فيها راسه الصغير بصدرها المعبأ بظمأ، لاتطفئه غير انفاسه ..
وحده، في دبابة واحدة، وفي جعبته رغيف خبز واحد .. امه هناك، هجعت مضطربة، متوسدة ضفاف اطيافه القديمة، هي تسميها كوابيس، ظلت تداهم نومها طويلا، فاطبقت على سرها ولم تفصح للسائلين ..
في اللحظة التي تخلت فيها السماء عن زينتها، وهجرتها النجوم كاسراب بط هاربة، وانكفأ فيها القمر مخذولا، يسحل بقايا ضوئه نحو مجاهيل السدم، تاركا الصحراء تحته تسبح في فضاء صدئ، تاهت نظرات الجندي بين افواج القطعان التي حاصرت الآفاق من حوله، وعندما همّ ان يحاورها، خمّن انه يحتاج الى الف ساعة والف دبابة والف قذيفة .. الجندي (الوحيد) الذي ادرك ان الزمن لايختزل، عبأ دبابته بالقذيفة الوحيدة، وسددها نحو الفضاء، ومع انطلاق القذيفة، كان صوت امه يعرّش في الاعالي والآفاق، يسابق صرخة مدوية، شقت سحب الدخان وبلغت عنان السماء .. اثمة استغاثة تتبع هذا الفراغ؟ .. ثم ران على الصحراء صمت مهيب!!!



