اراء

“إسرائيل” تسرق المياه الفلسطينيّة أيضاً

 

بقلم/ أحمد صوافطة

 

يمكن تعريف سرقة المياه الإقليمية بأنها مخالفة مبادئ قانون المياه الدولي الّذي يضمن الاستخدام العادل لموارد المياه المشتركة حدودياً بين جميع الأطراف، أو مخالفة الاتفاقيات الخاصّة التي أُنشئت بين الدول، من أجل التعاون المشترك في إدارة الموارد المائيّة المشتركة.

الموارد المائية المشتركة بين الجانبين الفلسطينيّ والاحتلال الإسرائيليّ,

يشترك الجانب الفلسطيني مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي في 4 أحواض جوفية مائية، 3 منها في الضفة الغربية، وواحد في قطاع غزة. أحواض الضفة الغربية هي الحوض الغربي، والحوض الشرقي، والحوض الشمالي الشرقي، بينما يقع الحوض الساحلي في قطاع غزة. وتخضع جميع الأحواض السابقة لاتفاقية أوسلو-1 (1993) وأوسلو-2 (1995)، إضافةً إلى نهر الأردن.

يعدّ حوض المياه الغربي من أكبر الأحواض المائية المشتركة. وبحسب اتفاقية أوسلو الموقّعة بين الجانبين، يسمح للجانب الفلسطيني باستخراج 23.7 مليون متر مكعب من المياه سنوياً، تقدر نسبتها بـ6%، بينما يستخرج الاحتلال حوالى 94% من القدرة الإنتاجية لهذا الحوض. يزوّد هذا الحوض حوالى مليون فلسطيني، ويستهلك المواطن الفلسطيني من هذا الحوض 70 – 106 ليتر يومياً، بينما يضخّ الجانب الإسرائيلي المياه من هذا الحوض لتزويد 3.4 مليون شخص، وتبلغ حصة الفرد الواحد 283 – 294 ليتراً يومياً.

يقع الحوض الشرقي جغرافياً داخل الضفة الغربية. ورغم ذلك، تستفيد “إسرائيل” من هذا الحوض منذ حرب العام 1967 لتزويد المستوطنات بالمياه. ويشير تقرير صادر عن سلطة المياه الفلسطينية في العام 2013 إلى أن القدرة الإنتاجية المستدامة لهذا الحوض تبلغ حوالى 145-185 مليون متر مكعب سنوياً. ويسمح للجانب الفلسطيني باستخراج 54 مليون متر مكعب سنوياً، وكمية إضافية تبلغ حوالى 78 مليون متر مكعب قابلة للزيادة. وخلال السنوات القليلة الماضية، بلغ معدّل استخراج المياه من قبل الجانب الفلسطيني حوالى 45 مليون متر مكعب، تخدم حوالى 1.3 مليون نسمة، إذ تبلغ حصة الفرد الفلسطيني من هذا الحوض 90 ليتراً يومياً.

الحوض الشمالي الشرقي هو ثالث الأحواض الجوفية المشتركة الذي يشترك بنسبة 80% من مساحته مع الضفة الغربية، وتقع النسبة المتبقية ضمن “دولة” الكيان. ويشير تقرير صادر عن معهد الأبحاث التطبيقية في القدس “ARIJ” في العام 2012، إلى أنَّ القدرة السنوية لهذا الحوض تبلغ 145 مليون متر مكعب، بينما الكمية المسموح استخراجها من هذا الحوض للجانب الفلسطيني هي 42 مليون متر مكعب. ويقدر استهلاك الفرد الفلسطيني حوالى 60 – 105 ليتر يومياً، بينما يستغل الاحتلال هذا الحوض في دعم كل الأنشطة الزراعية والمنزلية والصناعية في المستوطنات غير الشرعية، في حين أنَّ الجانب الفلسطيني يكاد لا يغطي الاستخدامات المنزلية للمناطق المستهدفة من هذا الحوض.

الحوض الرابع هو الحوض الساحلي في قطاع غزة، وهو المصدر الوحيد للمياه فيه. ويشير التقرير نفسه الصادر عن “ARIJ” إلى أن كمية العائد السنوي المستدام من هذا الحوض داخل قطاع غزة، تبلغ حوالى 55 مليون متر مكعب. وفي الجانب الآخر في “دولة الاحتلال”، تصل الكمية إلى 450 مليون متر مكعب.

نهر الأردن هو نهر حدودي مشترك تغذيه روافد من 4 دول عربية هي سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، وتشترك بحوضه المائي فلسطين والأردن إضافة إلى “دولة” الاحتلال الإسرائيلي، التي تعتبر المسيطر الأكبر على إنتاجية هذا النهر، مخالفةً أيضاً مبادئ قانون المياه الدولي وقواعده، على الرغم من الاتفاقيات الدولية والمبادرات والجهود للوصول إلى مخطط توزيع عادل للمياه في نهر الأردن، ومن أبرزها “Johnson plan“. وإلى الآن، تستمرّ السياسة الإسرائيلية في تجاهلها الحقوق المائية الفلسطينية في هذا النهر، على الرغم من اعترافها بالحقوق المائية الفلسطينية في اتفاقية أوسلو.

وعلى الرغم من مبادئ قانون المياه الدولي التي تضمن التخصيص العادل للموارد المائية الحدودية ضمن معايير اقتصادية واجتماعية وسياسية، وعلى الرغم أيضاً من قرارات الأمم المتحدة، فإنَّ الجانب الإسرائيلي يواصل سياسته الإقصائية الأحادية الجانب، من دون مراعاة لأي حقوق فلسطينية، معتبراً أن القانون الدولي لا يمكن تطبيقه على الحالة الفلسطينية، لأنه، في نظر الجانب الإسرائيلي، لا يمكن التعامل مع الفلسطينيين كدولة.

كان من ضمن البحث الخاص بالسّرقات الإقليمية استبيان موجّه إلى خبراء المياه، لتقييم الوضع الحالي ومصير المفاوضات حول قضية المياه، وكان التفاوت واضحاً حول سؤال يدور حول إمكانية تطبيق قانون المياه الدولي على الحالة الفلسطينية الإسرائيلية، فكانت الإجابة بالمناصفة بين الإيجاب والقبول.

رفض معظم خبراء المياه المادة رقم 40 في اتفاقية أوسلو، لأنَّها مادة مجحفة وغير عادلة، ولا تخدم مصالح الشعب الفلسطيني، إضافةً إلى رفض لجنة المياه المشتركة التي تأسَّست بناءً على هذه الاتفاقية للتعاون بين الجانبين في مشاريع المياه، لكنَّها في الحقيقة ضيَّقت العمل على تطوير قطاع المياه الفلسطيني، ولا سيَّما أنَّ مجال عملها كان داخل حدود الضفة الغربية، إذ أشار الدكتور شداد عتيلي، المستشار في دائرة المفاوضات، إلى أنَّ هذه اللجنة تمَّ استغلالها من قبل الجانب الإسرائيليّ من أجل شرعنة مشاريع المياه في المستوطنات وبنائها، وهو ما أكَّدته الأرقام. كما ذكرت السيدة جاني هلال، مديرة قسم بحوث المياه والبيئة في معهد “ARIJ“، أنَّ حوالى 628.000 مستوطن يستهلكون ما يقارب 369 ليتراً يومياً لكل مستوطن.

نظراً إلى سنوات المفاوضات وما يليها، فإنَّ وضع الحقوق المائية الفلسطينية ما زال يراوح مكانه، ولا توجد لدى خبراء المياه نظرة تفاؤل إلى المستقبل القريب لاستعادة الحقوق المائية الفلسطينية، لأنهم لا يرون هناك حلاً في المفاوضات النهائية، نظراً إلى اختلاف موازين القوى بين الجانبين.

وفي ظل الأوضاع الحالية، وفي ضوء الحديث عن “صفقة القرن” وضمّ أجزاء من الضفة الغربية، أعتقد أن هذا يعني زيادة كبيرة في عدد المستوطنات وضم الأراضي، وضخّ كميات مياه إضافية لاستيعاب التوسع الإسرائيلي على الأرض. وفي المقابل الآخر، زيادة سكانية فلسطينيَّة، وشحّ الموارد المائية، وتقويض الوصول إليها بسبب السياسة الإسرائيلية، ما يؤدي إلى خلق أزمة مياه حقيقية، وعدم القدرة على تلبية احتياجات المواطن الفلسطيني في الوضع الحالي والمستقبل البعيد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى