“فضاء ضيق” تكشف دور الطاغية بإخفاء معالم وقيم وثقافات بالقوة والبطش

المراقب العراقي/ القسم الثقافي…
يرى الناقد طارق الكناني ان رواية فضاء ضيق للروائي علي لفتة سعيد تجسد وتكشف ما قام به نظام الطاغية المقبور حيث أخفى معالم وقيم وثقافات بالقوة والبطش.
وقال الكناني في ورقة نقدية خص بها (المراقب العراقي): ((عندما تحوك لي من خيوط معاناتك قلب وفيّ فهذا هو الحب))
في خضم هذه العبارة التي الزمت الكاتب ان يستحضر كل تداعيات المرحلة العمرية التي وصل اليها، لوصف حالة انسانية أو مرحلةٍ عمريةٍ منصرمةٍ، خالط فيها عدّة مشاعرٍ قد تكون مزيجًا من الحب والرغبة مصحوبة بالنقاء النفسي الذي غالبًا ما يصاحب الإنسان في مرحلةٍ ما، حيث تتنامى لديه هذه المشاعر، تؤجّجها ما يسكن في اللاشعور من ذكرياتٍ يعتقد الإنسان إنها قد انتهت وتخلّص منها في فترةٍ ما، ولكنها تبرز للظهور ضمن نسق حياتي اعتاد عليه خلال مسيرته. وهذا يتطلّب تأجيج حالة الصراع العاطفي بين ما هو مرغوب وبين ما يثير عقدة الشعور بالذنب لدى هذا الإنسان ،لأن هذا الذنب ناتجٌ عن الإيمان بأنساقٍ فكريةٍ قد يعتبرها البعض متأزمة،لأنها تقع ضمن نطاق المثالية المتعالية، ولكنها في الحقيقة مغروسة في النفس البشرية (تؤتي أكلها كلّ حين)، ففي حالة الجدب الروحي والتيبّس العاطفي يستدعي العقل الباطن للإنسان كل هذه المشاعر ليبدأ مرحلةً مختلفة.
واضاف:إن صراع عواطف بطل رواية فضاء ضيق التي جاءت نتيجة حنين لامرأة تركها في لحظةٍ يقظةٍ للضمير، وفي مرحلةٍ تختلف بأنساقها الفكرية عما يعيشه الآن، فحالة الحرب التي يعيشها البلد هي واحدة لم تتغيّر طبيعتها، فالموتى والجرحى والأرامل واليتامى هم أنفسهم عراقيون، ولكن الجهات المتحاربة فقط هي من تغيّرت، وهذا ما استدعى تغيير نوع الثقافة، فبالأمس كان العدو مختلف عن اليوم مما استدعى حالة التعاطف الوجداني مع الزوج، أما وقد أصبح عدو الأمس صديق اليوم، هذا بحدّ ذاته يفرض قيمًا وأخلاقًا جديدةً لما يجب أن نكون عليه، فالكاتب والروائي محسن ( بطل الرواية ) الذي كان يكتب للحرب الأولى أصبح اليوم في مفترق طرقٍ وتغيّرت لهجة بعض أصدقائه معه، هؤلاء الأصدقاء كان يسامرهم في جلساتهم فقد تغيرت بوصلة الصحبة من الجلوس على ساحل بحيرة الرزازة الى الاتجاه الى المعاكس بتواجدهم في مقرات الأحزاب الدينية واطلاق اللحى والتختّم باليمين، هذا بحدّ ذاته تحوّلٌ كبيرٌ أوضح لدى محسن حالة البراغماتية لدى أصدقائه من الكتّاب ،وهذا يستدعي إعادة النظر بالثقافة المجتمعية التي أفرزتها الحالة الطارئة.
واوضح :إن عملية تسليط الضوء على الأنساق الفكرية والعقدية خلال رحلة بحث محسن عن سلوى، أفرزت حالة شعور بعدم الانتماء، مما أضافت أزمةً نفسيةً أخرى، ملاصقة لما يختزنه، فازدادت حالة التمرّد على واقعٍ لم يألفه سابقا.
وبين :إن قوة السلطة التي تمتّع بها النظام السابق تمكّنت من إخفاء معالم وقيم وثقافات كثيرة.. ففي مدينة مثل (كربلاء) والتي تدور فيها أحداث الثلاثية ( فرواية فضاء ضيق هي الجزء الثالث من رواية علي لفتة سعيد بعد روايتي الصورة الثالثة ومزامير المدينة )إن محسن لم يستطع أن يكتشف نوع الثقافة المحلية التي أراد الانتماء إليها في فترةٍ معينة، ففي الجنوب تختلف أنماط الحياة، وباختلافها يتأثّر الناتج الثقافي ونمط التفكير والأنساق المعرفية والفكرية بشكلٍ عام، مهما تظهر لنا الصورة البعيدة من كونها تشابهها كون هذه المدن يجمعها، مكوّن عشائري واحد، ومعتقد واحد، وربما حتى لهجات متعارفة بينهم، إلّا أن الاختلاف يكمن في طريقة العيش، لم يتمكّن الكاتب من الغوص بأعماق المجتمع الذي يعيش فيه بسبب حالة الانغلاق التي يعيشها المجتمع ذاته، فهو لم يطلّع على نمط الحياة وأسرار المجتمع إلّا من خلال صديقه (مجتبى) مما أظهر خللًا في النسق الفكري، ولو كان في ظاهره بسيطًا في البنيوية حيث استطاع أن يخفيه بشكلٍ أو آخر، إنما هناك عملية قلب حقيقية، فالسيمياء التي تحدّث عنها علي لفتة سعيد وأراد من خلالها إنشاء علاقة بينها وبين النموذج اللساني البنيوي هي علامات حدّدها المنحدر الجنوبي للكاتب، ولعلنا نستطيع أن نرى تأثيرًا للمتصوّر اللغوي في اللاوعي الفرويدي في حالة الكاتب هذه، فلقد كانت مقاربته توفيقية في جوهرها التي مازالت تتعاظم على امتداد السنين .
ولفت الى إن لكل مجتمع أسراره وخفاياه، فما يظهر من أنساق فكرية في مجتمع مثل المجتمع الكربلائي لا يمثل حقيقة الصراع الفكري المتأجج بين ثقافتين إحداهما طارئة حالية اصطبغت بصبغة دينية مطلقة، وأخرى تنطوي عليها البيوت المغلقة وما تمثله من ثقافةٍ متحرّرة هي أبعد ما يكون عما تظهره بعض الجهات التي كانت الى عهدٍ قريب، هي الرائدة في حالة التحرّر. ما يهمنا هي رؤية الكاتب نفسه الى هذا المجتمع فهو يظهر معاناة حقيقية في كيفية فهم مجريات الأمور وطريقة التعامل مع شخوص الرواية والذي استمدّها من شخصيات حقيقية تعيش نفس تناقضات المرحلة، مما جعل (علي لفتة سعيد) يتقمّص دور الضمير للكاتب محسن فهو يعيش ضمن شخصيتين لا يمكننا أن نقول عليهما متناقضتين، فهما يبدوان على توافق كبير ويتمّم أحدهما الآخر. فهذا الضمير هو من كان يتكلّم باسم الشخص الأول في الرواية، وربما استوقفه معاتبًا ليعكس صراع الذات.. ففي هذا النوع من الروايات يكون الضمير حاضرًا ليردع ويوجه الشخوص لأنه يمثل الوجه الاخر لشخصية بطل الرواية .



