“الذئاب على الابواب” تداخل الخيال والواقع في احداث سقوط الطاغية وما قبلها

المراقب العراقي/ القسم الثقافي… يرى الناقد وجدان عبدالعزيز
ان رواية “الذئاب على الابواب” للكاتب احمد خلف ” تكشف عن تقنية تداخل الاحداث التي انتهجها المؤلف في تأشير مراحل سقوط الطاغية وماقبلها.
وقال عبد العزيز في ورقة نقدية خص بها (المراقب العراقي) :ان هذه الرواية حملت الكثير من الحيوات، مضافة لها مسارات نجاح كثيرة في التكنيك والتقنيات الروائية، وكانت لها القدرة على الجذب القرائي الحامل لدلالات واسترجاع المعاني، فهي خير عونٍ للباحث، الذي يُنقب عن المميزات من الروايات العراقية، دليلنا على ذلك وجود مسارات نفسية في شخصيتها الرئيسية يوسف النجار، او في عموم شخصياتها، وكذا مسارات اجتماعية مهمة، اضافة الى المسارات السياسية والتحولات التاريخية، فالرواية كُتبت بوعي وقصدية في صناعة معنى كبير، تشظى في احداث الرواية التخييلية والواقعية، وكما اسلفنا ان هناك وعي الراوي العليم المسيطر والضابط لخريطة حركة الاحداث والشخوص، ولاسيما صناعة شخصية يوسف النجار، كونها شخصية محورية في الرواية، وكذا شخصية عبير، الشخصية الانثى المصنوعة بذكاء، حيث بان اثرها الواضح في تسليط الضوء على ذات يوسف النجار في خضم فضاءاتها العامة والخاصة، واخراج خطة الكاتب الروائية في صناعة مشاهد الحقبة التاريخية العراقية المهمة بعد سقوط الطاغية صدام في 2003م وقبل هذا التأريخ .
واضاف :ان الكاتب احمد خلف بقي شديد الحرص في تصوير الاحداث وتدوينها عن طريق الفلاش باك وهي طريقة لعرض الأحداث التي حدثت قبل الإجراء الحالي، حيث تُعد اللقطات الفلاشية تقنية أدبية شهيرة يستخدمها الكتّاب عند بدء القصة في وسائط الإعلام (في منتصف الأشياء)، لإضافة الدراما أو التشويق، أو لملء القارئ بالمعلومات المهمة.
وتابع: ومن الملاحظ ان الكاتب له اصرار ليبقى الانسان في رواية (الذئاب على الابواب) يبحث عن اليقين والمعنى والمعرفة والحياة الجيدة في عالم غير مؤكد، قد تصطدم فيه صخور عملاقة مع الارض، فتنهي الانسانية بالانقراض وان الطبيعة لا هي اخلاقية ولا هي غير اخلاقية، هي لا تختلف تبعا لمفاهيم الانسان ورغباته ،العالم يتغير باستمرار، وان حياة الانسان هي سلسلة مستمرة من الاحداث العشوائية المحاكة، ولهذا هي لا يمكن التنبؤ بها الكفاح للتوفيق بين ما يبدو من سخافة في الوجود الانساني مع الرغبة بايجاد معنى وهدف للحياة، يجعل من الصعب التمييز بين الوهم والواقع، من هنا حاول الكاتب احمد خلف صناعة شخصية يوسف النجار، ليكون خير معبر له عن هدف حياتي سامي، رغم كل التحولات الموجعة في حياته.
وبين :ان القاريء بات هنا يتوقع انه امام رواية فيها الكثير من الاحداث، فيوسف يفجرون بيته بما فيه حتى زوجته وطفلته الصغيرة، فلو جعلنا البيت الوطن، وجعلنا الطفلة مستقبل، لوجدنا الكاتب يرسم لنا لوحة مأساوية للخراب.
واستدرك :لكن الكاتب في خضم احداث الرواية يرسم لوحات اخرى مبتهجة بالحياة والامل، دليلنا علاقته الناشئة في قعر وجع الفقدان بالانسانة عبير زميلة دراسته، وكذا ما قاله ايوب النحيل له: (اسمع يايوسف اصبح ظرفك الان صعبا وعسيرا عليك ينبغي ان تفكر بايامك القادمة..)، فجملة هذه الامور تجعلنا نثق بقدرة يوسف النجار على التحول من حال الى حال، وكذا نصيحة يونس الغطاس، ذلك الرجل الذي لايفرق بين الناس كما يشهد له الجميع، ولاتأخذه نزعة دينية او مذهبية، ولايمكن لرجل كهذا ان يكذب عليه بشأن الاعتداء على بيته، حيث قال له: (عليك بالصبر وألا تبدو امامهم ضعيفا خائر القوى، انهم ينتظرون تلك اللحظة التي تتهالك فيها الى الارض كي يملأ الحبور صدورهم الخاوية، حذار من لحظة الانهيار تلك)، هذه النصيحة وغيرها ستكون لها ابعاد اكبر من ان تكون خاصة بيوسف النجار، الحامل لهم ذاتي مضافا له هماً موضوعيا كبيرا، اي هم الوطن وضياعه في خضم الاحداث بعد 2003م المأساوية، حيث بدأ القتل على الهوية، ولا ننسى الايام العصيبة التي مرت عليه بعد فراق ورحيل والده بعد والدته واشتداد الحصار الاقتصادي بعد حرب الخليج الاكثر مأساوية حيث كانت الحكومة الصدامية عاجزة عن اسعاف الناس في البلاد، وهكذا تتوالى احداث الرواية، ويعيد يوسف حنقه ورفضه لهذا الخراب، الذي حل قبل وبعد 2003م، قائلا: (هذا زمن الديمقراطية العرجاء اذاً، ما الذي فعلته امريكا بنا؟ .. امريكا تفعل ماتشاء وتهمل ماتريد اهماله عن عمد.
واوضح :ان يوسف النجار ظل شخصية يكتنفها الغموض ولاسيما بعد فقدانه زوجته وطفلته، لكن بعد ان يتعرف على عبير احدى زميلاته في المرحلة الجامعية، وانها كانت متزوجة من رجل راح ضحية الوطن بالتفجيرات، والملاحظ ان يوسف النجار يحمل عدة اصوات في داخله يتحدث من خلالها الى نفسه ومن هنا كان يوسف النجار يتمزق ألماً من هذا الوضع، وهو يرى وجوهاً كالحة وعديمة الموهبة، او فاقدة الصدق والنزاهة، وهي ترتقي مناصب حكومية.
وختم:ان الكاتب احمد خلف وكم قلنا حاول بوعي تدوين هذه الحقبة التاريخية روائيا من خلال شخصية يوسف النجار وعبير، لتكون مدونة ادانة ورفض، الدليل سؤال عبير ليوسف: (أتنوي كتابة تلك الذكريات المريرة؟)، فكان جوابه: (ما الذي يمنعني من كتابة كل صغيرة وكبيرة؟)



