عسكرة العشائر العراقية بين الماضي والحاضر أثر الفرسان الحميدية على الدولة العثمانية ودول الجوار «روسيا وايران»

10
د. معتز محيي عبد الحميد
اثر الفرسان الحميدية على الدولة العثمانية
وفي هذه الاثناء كانت لجنة المانية برئاسة القنصل ( شتيمريخ) في استانبول قد قدم معلومات ، بعد ان ذهبت وتقصت الحقائق في تلك المناطق ، بمناسبة مد شبكة سكة حديد بعداد ، ورد فيها ان في الطريق الى الموصل وعلى مسيرة يومين تقع عليه عشرون بلدة مدمرة من اتباع ابراهيم باشا ولم يبق غير واحدة .
ومن ناحية اخرى ادى تشكيل الحميدية الى تقليص حجم الضرائب التي كانت تجمعها الدولة من الكورد وغيرهم من قبل ذلك ، فتدنت ميزانية بعض الولايات كثيرا ، فمن جانب كان الحميديون قد اعفوا من غالبية الضرائب كأحد ابرز الامتيازات المغرية التي دفعت بالعشائر للدخول فيها ، كما ان اخذ الضرائب من غيرهم من الكورد والارمن وسواهم كانت قد انيطت بالحميدية ، وكانت هذه الضرائب تصرف على افرادها ، وكان من المفروض ان يرسل المتبقي منها الى خزينة الولاية التي يعيشون فيها ، غير ان ذلك كان بعيد المنال ولم يطبق في الواقع ، اضافة الى مساهمتهم في قتل وترحيل الارمن ، والذين كانوا يعدون من المصاد رالرئيسة لتمويل الخزينة عبر المفروض عليهم من الضرائب ، كما هرب الارمن الى خارج الاراضي العثمانية للنجاة بارواحهم ، وهذا ما خلف نتائج سلبية على اقتصاد الولايات التي كانوا موجودين فيها … ففي ولاية ( وان) مثلا كانت خزينتها مليئة بما فيه الكفاية قبل نشوء الفرسان ، وفي نهاية اغلب السنوات كان يرسل الفائض عن حاجتها لدعم خزائن ولايات اخرى ، ولكن خلال السنوات 1891-1898 أي بعد تشكيل الحميدية ، لم تذهب الى خزينة ( وان) ما يعادل ” فلس واحد” وبلغ افلاس خزينتها سنة 1897-1898 لدرجة لم يستطع واليها ان يأخذ حتى راتبه منها ، ويمكن القول ان مثل ذلك النقص في خزائن بعض الولايات كان لابد له من اثار سلبية ، لان ذلك يفسح المجال امام تفشي وتقوية ظاهرة الفساد وضعف الادارة وانعدام الامن ، وكان لذلك اثار سلبية على الدولة التي كانت مكلفة بادارة تلك المناطق والالوية .ويعتقد لازاريف ان تأسيس الحميدية جلب الفوضى حتى داخل المؤسسة العسكرية للدولة في الولايات التي فيها تشكيلاتهم ، لانهم في كثير من الاحيان صاروا في الواقع العلمي مستقلين عن السلطات العسكرية أيضاً ، وزادوا من سرعة تدهور الادارة في ولاياتهم وباتوا مصدرا لمشاكل معقدة داخلية للحكومة ، وحصل في بعض الاحيان ان سرق الحميديون وانتزعوا الاسلحة والخيول من الشرطة ، وكثيرا ما ابدوا مقاومة مسلحة في بعض المناطق عندما كانت الحكومة تحاول لحد من مثل تلك التجاوزات ، فادى كل ذلك الى تأزم الاوضاع السياسية الداخلية في الولايات الشرقية ، كما جلبوا في احايين الهزائم للدولة وذلك لعدم انقيادهم لاوامر القيادة العسكرية ، وبسبب تلك الاحداث تدهورت علاقات الدولة العثمانية ومن بعده تركيا مع الدول الاوربية ، اذ ادى الى تشديدهم التدخل في شؤون الدولة العثمانية بحجة حماية الارمن ، وضغطهم على تركيا حتى اليوم بضرورة الاعتراف بالمذابح الارمنية كسبيل لدخولها في السوق الاوروبية المشتركة .
وكان لتدويل المسالة الارمنية في حينه اهمية بالغة لكبرى الدول الاوربية التي كانت تسعى بمختلف الوسائل من اجل الحصول على مناطق النفوذ في الدولة العثمانية ، فوقعت الدولة في موقف حرج ، بحيث أنها اذا اقدمت على الغاء الحميدية فانها كان ستؤدي الى ان يكون رأس الدولة المدبر وحده مسؤولا عن تصرفاتهم ازاء الارمن امام اوربا ، وان اقدمت على تجريم ما حدث فان في ذلك مخاطرة بفقدان السلطة في المناطق التي كان الارمن يطالبون بها ، مثلما فقدت الدولة بلغاريا عندما القى السلطان عبد الحميد ذنب الاضطرابات فيها على عاتق الشركس والمدنيين ، وهكذا تشددت الدول الاوربية في المضي قدما للتدخل في شؤون الدولة واستخدام الورقة الارمنية في الاوقات غير المناسبة للدولة العثمانية .




