«أن تفكر في فلسطين» من الاشتباك البصري إلى انشراح البصيرة

المراقب العراقي/ متابعة…
«فلسطين فكرة. فكرة تنمو في القلب قبل أن تُزهر في العقل، وليس شرطا أن يكون حاملها فلسطينيا أو عربيا، لأنها فكرة الإنسان التي تمتحن انتماء صاحبها إلى الإنسان». هكذا يبسط الكاتب المغربي عبد الله صديق نظرته إلى فلسطين، ذلك في مقدمته لمؤلفه المعنون بـ «أن تفكر في فلسطين» ــ صدر ضمن سلسلة (يوميات عربية) عن المركز العربي للأدب الجغرافي، بالتعاون مع دار السويدي للنشر والتوزيع، حيث يروي صديق مشاهدات زيارته إلى فلسطين، لأول مرة، بمناسبة معرضها الدولي العاشر للكتاب، حيث قضى سبعة أيام، تنوعت بين لحظات أساسية أطلق عليها: مشهد «الاشتباك البصري» الأول مع جنود الاحتلال، وحالة «الاستغراق الذهني» في ما تراه العين، و»انشراح البصيرة» من رؤية التراب والعشب والناس.
يدافع الكاتب عن مشروعية زيارة فلسطين وليس (اسرائيل) ، نافيًا أن يكون ذلك تطبيعًا مع العدو الصهيوني، حيث يصف السعادة التي قوبل بها الوفد الزائر من لدن شباب فلسطينيين في باحة الضيافة، بعد مرحلة الاجتياز الصعبة للمعابر، التي يتحكم فيها جيش الاحتلال؛ إذ يقول: «كانت المحبة تفيض من مُحيَّا كل واحد من الشباب في المضافة، تشي بسعادة حقيقية تغمرهم، وهم يخدموننا بكل أريحية، سعادة من رمزية يستشعرونها في وصولنا إليهم، شبيهة بتلك التي تتدفق من عيني سجين يزوره في المعتقل أخ له في الدم، أو نظير له في الإنسانية، زيارة يعرف الفلسطيني منها أن لسجنه بابًا يُفتح ـ ولو بصعوبة ـ يدخل منه أهله ومُحبّوه، فيدخل بوصولهم هواء جديد، يعرف منها أيضا أن صاحب زيارته قد قاسمه بعض أوجاعه التي تبدأ من المعبر، ولا تنتهي عنده». ثم يتساءل قائلا: «فهل تبقى من ذريعة، بعد هذا، عند من يَصِمُ تلبية دعوة فلسطينية لزيارة الأرض المحتلة بأنها تطبيع؟!».
قسّم الكاتب يوميات زيارته لفلسطين إلى مشاهد، ابتدأها بمشهد يصف فيه «تفتيت الوقت» في انتظار ختم الجواز في مطار «الملكة علياء»، ثم الركض إلى خارج المطار، بحثا عن المُرافق الذي كان في انتظاره، ليلتقي لاحقًا بمن جاؤوا في رحلات سابقة، ضيوفا على معرض فلسطين الدولي للكتاب، حيث سيكونون مطالبين باجتياز معبر جسر الملك حسين ”اللنبي”، وقد تعترض أحدهم مشكلة ختم الجواز عند المعبر، ومن ثم فكل تأخّر في زمن الوصول إلى الحاجز الإسرائيلي سيُضاف إلى يوم فلسطيني طويل مقداره سبعون سنة؛ كما يقول المؤلف، متوقفا عند مشهد «مسافة الاشتباك البصري» مع جيش الاحتلال بعد اجتياز الحدود الأردنية. ففي أي لحظة يمكن للجندي أن يفتح النار عليك، ويبحث عن أتفه الأسباب لتبرير جريمته، مثلما وقع مع قاض أطلق عليه جنود إسرائيليون النار هناك، وزعموا أنه حاول تجريد زميلهم من سلاحه.
في رام الله، يحاول الكاتب أن يكتشف المدينة والناس، فلا يحصر نفسه بالمكوث في الفندق، أو بالتقيد بالتنقل مع الوفد، بل يحرص على التيه وسط المدينة وزيارة الحارات والأسواق الشعبية
ويصف الكاتب ما يجري في طابور شباك الفحص الأمني من طريقة للتفتيش، التي تروم إشعار المواطن العربي بالإهانة والمذلة، وهو يلتقط التفاصيل الدقيقة أبرز ما لحق حقيبته من أعطاب جراء التفتيش الفوضوي، فبدت في حال يرثى لها؛ قبل أن يتوالى سرد حكاية السفر عبر الحافلة نحو أريحا، ومعها تنساب التعبيرات التي تصف جمال الطبيعة الفلسطينية، وإن كان وجود مستوطنة إسرائيلية وسط الأراضي الفلسطينية يفسد الفرح المؤقت.
في رام الله، يحاول الكاتب أن يكتشف المدينة والناس، فلا يحصر نفسه بالمكوث في الفندق، أو بالتقيد بالتنقل مع الوفد، بل يحرص على التيه وسط المدينة وزيارة الحارات والأسواق الشعبية والاحتكاك بالشباب والناس البسطاء في المقاهي وسيارات الأجرة، والتلاميذ الحالمين بأن يصيروا رحّالة، ولا يخفي إعجابه بمعرض الكتاب، وحسن نظامه.



