رواية تاريخية أم تاريخ روائي؟

ثائر دوري
من المعلوم أن التاريخ والرواية صنفان مختلفان، فالرواية فن والتاريخ علم. الرواية فن، وإن استفادت من العلوم الأخرى، وأدمجتها في بنيتها فأنتجت أصنافاً مختلفة مثل، رواية الخيال العلمي، التي استفادت من التقدم العلمي منذ القرن التاسع عشر، فأنتجت رواية اعتمدت على هذا التقدم ثم أطلق الفنان «الروائي» العنان لخياله فوصل، أحياناً، إلى أماكن لم يكن قد وصلها العلم بعد، كأغلب أعمال جول فيرن، التي ربما كانت هي من أطلق العنان لخيال علماء المخابر، فجعلتهم يرتادون دروباً لم يفكروا بها من قبل، فكانت سابقة غير معروفة من قبل «سنونو صنعت ربيعاً».
وفي احتمال آخر أكثر شيوعاً اتجهت الرواية إلى التاريخ تغرف منه، تسجله، تحلله، أو تعطي احتمالات بديلة، فأطلق عليها اسم «رواية تاريخية»، يغرف الروائي من التاريخ بدون أن يكون ملزماً بالتقيد الحرفي به، بل يطلق العنان لخياله، فيضيف شخصيات ويحذف أخرى، وقد يلعب لعبة التكبير والتصغير، فيعطي دور البطولة لشخصية هامشية، وبالعكس يمكن أن يهمش من عُرف تاريخياً بدور رئيسي. لا يخضع الروائي لمساءلة علمية فهو يتقمص دور المؤرخ، كاتب التاريخ، بدون أن يكون ملزماً بالضوابط العلمية. هو يختبئ خلف شخصياته، ويطلق العنان لخياله فيعدل بأحداث التاريخ إضافة أو حذفاً، وقد يخلق شخصيات من العدم ليعطيها دوراً ثانوياً أو أساسياً. وإذا سُئل عن ذلك كان جوابه، وهذا من حقه، أنا روائي لا أكتب تاريخاً. ويباح للروائي ما لا يباح لغيره. فلم يكن لأحد أن يُكذّب جول فيرن بالقول: لا توجد وسيلة نقل تتيح لك الدوران حول العالم في ثمانين يوماً. أو لا توجد مركبة تنقلك من الأرض للقمر.. كان ذلك في القرن التاسع عشر..
لكن ماذا يحدث في الاحتمال المعاكس، أي أن يتقمص المؤرخ دور الروائي فيتبنى أساليب روائية أثناء كتابة التاريخ؟ فكرت بإجابة على هذا السؤال منذ قرأت كتاب جمال باروت الموسوعي عن الجزيرة السورية «التكون التاريخي الحديث للجزيرة السورية»، وأيضاً بعد كتاب حنا بطاطو عن سوريا «فلاحو سوريا: سليلو الوجهاء القرويين الأقل شأنا وسياستهم.
المؤرخ هو العالم الذي يدرس ويدون التاريخ، ويُعتبر مرجعاً في هذا العلم. وكتابة التاريخ مهنة معروفة في كل بلدان العالم وعبر العصور، وهي كأي مهنة لها شروط وأدوات ومراكز بحثية. كما أنها لا تعني فقط مجرد تسجيل الأحداث التاريخية أو تسجيل تاريخ الأفراد والجماعات إنما تشمل تحليل الأحداث ومحاولة سبر أغوارها، والوصول إلى استنتاجات في سياق محاولة استنباط قانون عام للتاريخ البشري. هي مهنة تجمع بين التسجيل والتحليل والتفسير، وصولاً لمحاولة استنباط قانون عام يفسر الماضي بشكل أفضل، ويساعد على حل مشاكل الحاضر، وأيضاً امتلاك أدوات تتيح التنبؤ بالمستقبل لتعزيز منافعه وتلافي الكوارث. رغم أن كثيراً من غير المختصين تسربوا إلى كتابة التاريخ، مثلاً عبر كتابة اليوميات أو المذكرات، أو عبر العمود والمقالة الصحافية، التي تتناول حدثاً أو حادثة تاريخية، ويكتبها هواة أو صحافيون أو كتّاب رأي. رغم ذلك تبقى المعايير العلمية مطبقة على الهواة، كما على المحترفين. فتُستخدم أدوات علمية لدراسة عمل غير المختصين أيضاً. يُدرس تقاطع الروايات والأحداث، وتدقق التواريخ، وبعد دراسة علمية دقيقة تصنف قيمة مذكرات أو يوميات سياسي ما، فإما ترفع إلى مكان سام أو تعد لا قيمة لها أو بين المنزلتين.



