ثقافية

“اغتراب حنين” الشعور بالانفصال النسبي عن الذات والمجتمع

المراقب العراقي / متابعة…

تدور أحداث رواية ”اغتراب حنين“- باكورة أعمال الأديبة السوريَّة ديانا صهيوني، الصادرة حديثًا- حول حيثيَّات ظاهرة الاغتراب الذاتي والاغتراب الاجتماعي وتغلغلها في المجتمع الاستهلاكي الحديث، مستمدة مورد حياتها من الأزمات التي تعصف بالشرق.

ويتجسَّد محور الرواية في الشعور بالانفصال النسبي عن الذات وعن المجتمع، والانسحاب شبه التام عن الحياة الاجتماعية؛ من الإحساس بالعجز والرفض والعزلة، وعدم الانتماء، والقلق والشعور بالرفض، والشعور بافتقاد وضياع الهويَّة النفسيَّة والاجتماعيَّة.

وتتضمَّن الرواية عناوين فرعيَّة؛ على هيئة زلازل عددها عشرة، وتنوَّعت بيئاتها ما بين المنزل والبنك وشاطئ البحر وحارات وشوارع دمشق القديمة وخشبة المسرح.

والرواية مغامرة استعادة الأحلام، تظهر من خلال الإصرار والتحدِّي وصوت حنين ورغبتها الداخليَّة المدفونة في القاع بالعودة إلى حنين المفعمة بالحب والحياة. من بوابة الموت والضياع إلى بوابة الحياة وإيجاد النفس واحتضان الذات الضائعة.

وفي مكان ما من الرواية تموت أم نضال وتلد سناء طفلها الجديد في رمزيَّة لعودة دمشق العاصمة التي لا تموت ولا تلبث أن تولد من جديد.

تقول الكاتبة في مشهد موت أم نضال: ”حضنتها وقبلت رأسها، حضنها دافئ وقلبها مليء بالحنان والوفاء، أدمعت عينها وضمتني، شعرت وكأنها طفلة تتعلَّق بحضن أمِّها، كانت تشدني بقوَّة، جسمها كان ثقيلًا ولم أستطع إبعادها عنِّي، كسر الصمت، صراخ ثريَّا، رجفت، ارتعش جسدي رهبة.. فارقت الحياة، فارقت الحياة بين أحضاني“.

وتضيف في مشهد ولادة سناء: ”صورة الأمومة تلك أم الحياة، سناء تمنح طفلها الحياة والأمان، قطعة لحم صغيرة لا تعرف إلا الصراخ. اقتربت منها؛ وسألتها هل قمت باختيار اسم له؟ -قالت: نعم، سميته بحر، أتمنى أن يأخذ جماله من البحر، يسرّ الناظرين، ويسلب العين انتباهة، ولا يبلغ إدراكه الجميع، أريد له اتساعًا بالفكر وعمقًا بالفهم وجوهرًا حقيقيًا لوجوده، لا أريد له مرورًا عابرًا على هذا الكوكب“.

ويُعدّ الاغتراب الذاتي من أبرز الأزمات النفسيَّة التي تعصف بأفراد المجتمع، في ظلِّ الخيبات وحالة الإحباط، جراء انكسار أحلامهم ورؤاهم وطاقاتهم المتفجِّرة، أمام واقعهم المتسلِّط.

 

ويؤدي توالي الخيبات إلى تأزم علاقة الفرد مع المجتمعات برموزها كافَّة، لينتهي به المطاف في دوامةٍ من الإحساس بالعزلة، ليفضِّل الاستسلام والانكفاء على الذات.

ولم يغفل الفن العربي الحديث، بجميع أصنافه، الخوض في ظاهرة اغتراب الفرد المبدع، إذ شكَّل السِّمة الأبرز في شخصيَّات العديد من الكتَّاب، والروائيِّين، والفنانيِّين التشكيليِّين، والمسرحيِّين.

فالظروف المعيشيَّة المتردِّية، وانعدام المساواة في ظل المجتمع الرأسمالي الحديث، دفعت الفرد إلى الانكفاء على نفسه والشعور بالاغتراب، إذ تنعزل الشخصيَّة المغتربة التي أخفقت في تحقيق الانسجام والتماهي مع أعراف المجتمع وقوانينه، لتلجأ إلى الانسحاب.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى