“خطأ غير مقصود” سلاسة وعفوية وخلط للأجناس الأدبية

المراقب العراقي/ متابعة…
تسعى دور النشر العربية عامة، نتيجة فوران وحمى وانتشار الكتابة الروائية، إلى ضخ المزيد من الروايات، والحكايات، والمرويّات، والسرديّات، والكتابات المتناصّة مع القصة، والروي، والحكي المسترسل، على شكل خواطر يومية، وصولاً إلى تجنيسها وخلع الطابع الروائي عليها، من دون أيّ وازع فني، وجمالي، وتقني في تسميتها، وعمل رشيد الضعيف الجديد “خطأ غير مقصود” يقع ضمن هذا السياق، فهو عبارة عن أقاصيص، وحكايات، ويوميّات، وأدب رحلة، ومدوّنات شخصية، سُمِّيت “رواية”! بينما هي لا تتعدى كونها قصصاً قصيرة، في بعض الوجوه من أوجهها، كقصص “لما ضربنا والدنا” و “مضار كرة القدم”، أو مدوّنات شخصية مثل “الصدمة” و”آمرة” و “في مأتم أيمن” و”شجاعة والدي”، أو أدب رحلة وأسفار وتدوينات سياحية وطبوغرافية، بعد رؤيته لبعض الأماكن خلال أسفاره إلى أمريكا، من أجل البحث عن تاريخ العائلة التي سافر بعضها إليها، كجدّته التي سافرت إلى أمريكا كمهاجرة في مطلع القرن.
وتقع تحت هذا النمط الكتابي تدوينات “برلين الخريطة التي تعمي”، وهي كتابة تنضوي في مساق أدب الأسفار والرحلات، والاكتشافات لعوالم وخرائط العالم وحياة الإنسان، كيف يعيش ويكتب، وكيف يحيا حياته في تلك البلدان البعيدة، أو كحكايته مع محمود أمين العالم، الكاتب، والناقد اليساري المصري الذي يراه في القاهرة أثناء مؤتمر للقصة أقيم هناك. أما اليوميات فإننا سنعثر عليها في هذا التسجيل الزمني لبعض حالاته الشخصية كتدوينة “دهاء جدتي”، وهو يؤرخها بالتواريخ والأيام، وكلها ملاحظات مكتوبة في شباط/فبراير عام 1914 كما توضّح مفكرته الشخصية أثناء قيامه بتلك الرحلة إلى أمريكا، أو تلك المكابدات المُسجّلة مع خادمته “فاكرة”، وغيرها من التسجيلات اليومية، لسيرة أصدقائه الحياتية في المقهى، كحكاية “نعيم” و”أيمن” وحكايات أمه، وأنفها الطويل، والتلاوين الكتابية الأخرى، كما رأينا في “التضخّم”، وهي قصّة تضخّم البروستات لدى الراوي الذي يتحدّث دائماً بضمير المتكلم .
وبذا فقد أوحت لنا هذه الكتابة على أنها سلسلة وغير متكلفة، وعفوية، وتهدف إلى خلط الأجناس، أو تسعى إلى إلغاء المسافة بين الأنواع، وتجاوز طابع الجنوسة، ومذاهب تكريس النسق النوعي، في السرديّات الشائعة الآن.
يأتي كتاب رشيد الضعيف هذا، بعد أن كّرس تجاربه المخبرية الجمالية والتعبيرية الفنية في روايات كثيرة، وهو الشاعر أيضاً الذي بدأ بديوان “حين حلّ السيف على الصيف”، وتبعه بمجموعتين أخريين، إلى أن توقف نهائياً عن الممارسة الشعرية، ملتفتاً إلى الرواية، وهو من أوائل الشعراء الذين هجروا الشعر إلى الرواية، كما هو حال الروائي الجزائري واسيني الأعرج، والروائي الفلسطيني ابراهيم نصر الله، والروائي اللبناني الياس خوري الذي عُرِف في بداية مشواره الأدبي كناقد للأدب.



