ثقافية

نزهة في ” ضيف على العالم” لمحمود الريماوي

المراقب العراقي/ متابعة…

تمنح قصّة ” ضيف على العالم” عنوانها لكامل المجموعة الصادرة في 2017 عن “فضاءات” للنّشر والتوزيع، والمؤلّفة من ثمان وعشرين قصّة، وتقع منها في المرتبة السادسة والعشرين، تليها قصّتا روابط عائليّة و” النائمون الجميلون”. وهي إلى ذلك القصّة الطويلة الثانية مقارنة بالبقية التي تقتطع من النفس السرديّ للكاتب عشر صفحات.

التموقع الترتيبيّ المتأخّر للقصّة وثنائيّة الروّاة: راوٍ أوّل ينسحب سريعا لصالح الشّخصية الرئيسية التي تستلم فعل القصّ غيابيّا أيّ بعد وفاتها من خلال “قراءتها” للدفتر الذي تركته من بعدها، وكذا كثرة التفاصيل والمعلومات الشّخصيّة الحافّة ببطل القصّة إسماعيل الشيخ إبراهيم وآرائه ومواقفه من كلّ ما يتعلّق بمسألة الضيّافة في العالم، ليس مجانيّا فإسماعيل يمثّل النموذج الأقرب إلى الذات الكاتبة من جهة ٍ( فهو أديب، صديق للجميع حتى لأصغر الكائنات في المزرعة/العالم، يكسب رزقه من  مهنة الكتابة/ الخطاطة، يستقوي على الوحدة بالقراءة، يحبّ العزلة قدر الإمكان، خصيم للعنف، لكنّه يحمل في وجهه القلم لا السّلاح أو السيف، ويمدّ نحو النّاس الخطوط كما يمدّ لهم خيوط التواصل أمام أعينهم.) وهو من جهةٍ ثانية نموذج يُحتذى لما يجب أن يكون عليه كلّ ضيف أينما حلّ بدءا من رمزيّة اسمه المركّب من اسميْ نبيّين أحدهما أبو الأنبياء والآخر أبو العرب (إسماعيل)، فهو على معنى ما “سليل الأنبياء”، ( ونذكّر أنّ الكاتب انحدر أصله من أرض الأنبياء/ فلسطين) ومثلهم يترك من بعهده “كتابا”  عُثر عليه بعد موته (توفّي في مارس 2016)  بين متاعه القليل، وفيه ضبط كلّ القواعد الأخلاقيّة ومدوّنة السّلوك الواجب اتباعها من قبل كلّ من ينزل ضيفا على “دار” ما، وكلّنا في الواقع ضيوف على الله في هذا العالم، وعلى الحكّام في أوطاننا التي قد يحوّلونها في مرحلة ما من طغيانهم السياسي إلى مجرّد دار للضيافة المؤقّتة المشروطة بالخضوع تهدّد ضيوفها الخارجين عن “بيت الطاعة” بفقدان حقّ الإقامة المستقرّة الآمنة فيصير البعض أسيرا ” يبكي عليه منبر وسرير” ويتعرّض  البعض الأخر إلى النّفي والتهجير” حاملا أناه المتأّلمة عبر العالم.

الحياة نفسها تُعرّف بأنّها دار ضيافة والسكن فيها وقتيّ ومشروط بحسن السيرة والسلوك مع الله ومع الناس مهما طال أمدها: ” نحن أيضا ضيفان على هذا العالم، هكذا فاتحته أمّه” يقول الراوي متحدّثا عن إسماعيل الشيخ ابراهيم.

المكان الوحيد الذي يمثّل “وطنا حقيقيّا” يسكن فيه الإنسان آمنا دون ذلك الشعور المزعج بالغربة، ولا تلك الترسانة الثقيلة من شروط الإقامة المجحفة أحيانا بحق الضّيف الأجنبيّ، ومن ضرورة التعبير المستمرّ عن الامتنان والسرور والشكّر للمضيِّف، هي المقبرة “حيث يرقد الرّجال إلى جانب النساء دون حرج خلافا لما يجري في الحياة”، أو قد يسكن الراحل الشابّ جميلا مطمئنّا وطببيا فلسطينيا مهاجرا على الدوام، داخل إطار لصورة معلّقة على الجدار، يعد أهله بالعودة إليهم في اليوم الموالي، ولا يأتي ذلك اليوم أبدا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى