ثنائيَّة التأمل والانبعاث في (النوافذ لم تغلق بعد)

زهير الجبوري
تنطوي تجربة الشاعر حبيب السامر في مجموعته (النوافذ لم تغلق بعد/2019) على قراءة مساحاته المتباعدة في تقديم ما هو مختلف ومغاير في تجاربه السابقة، وتظهر شعرية المجموعة على قدر كبير من الاسترخاء التأملي، أو جعل القصائد ذات منحى جمالي/ خطابي/ رؤيوي، ولا ضير في ذلك حين نمسك بدقائق النصوص وهي تؤشر موضوعياً حالات الكشف عن انحسار الوصف عبر نوافذ (مكانية، ومشهدية، وذاتية) اجترحتها اللّغة الشعرية، وكشفت عنها، بل وكرست لها مكامنها الخاصة لدى الآخر، رغم تهويم شواهد الأشياء من خلال اعادة وصفها عبر مشهدية خاصة، بمعنى ثمّة حقائق وثوابت راكزة في واقعها، تمت إعادتها داخل إطار القصيدة..
نلمس في تجربة السامر الّلعبة الشعرية الرمزية الواصفة حين يستعير من النافذة ملامح العتبة بغية الوصول الى بعض الأماكن التي تمتلك فضاءات ذات صفات أفقية، بمعنى إنها مسكونة بعلاقات تبادلية لأطر المكان والزمان والمشهد، فكانت النصوص واضحة الدلالة وتمتلك تراتبيَّة متناسقة في ثنائيَّة العنوان والمضمون معاً، ربما هي واحدة من كشوفات الشاعر عبر استكناه جديد في أماكن جديدة عنونت وكتبت شعراً، وهنا يمكن مصارحة حبيب السامر، إنه شاعر يبتكر الأمكنة شعراً، وليس راوياً..؟! لأنه صاحب ذهنية مجردة، ومثلما استفاض من مدينته البصرة في تجارب سابقة، هو الآن يعكس التجربة ذاتها في مدينة مائيَّة أخرى (بيروت)، ولعلَّ هذا التناظر أظهر شحنات (الكوجيتو).. أنا أفكر.. أنا أعيش.. أنا حاضر.. إذنْ أنا أكتب شعراً.. هذا التماهي المتبادل الذي أنتجته قدرته على كتابة الأمكنة والشخوص شعراً ينطوي في الوقت ذاته على قدرته في خلق نصوص شعريَّة ضمن عامل الرغبة الحاضرة في هكذا أمكنة أو حيز..
(النوافذ لم تغلق بعد) مجموعة تبحث عن وجود افتراضي من خلال فتح منافذ التعبير والوصف، أو تكريس المناخ الجديد الذي عاشه الشاعر لحظة إمساكه باللّحظة الشعرية المعبرة، وكأنَّ شواهد الأشياء لها ابتكاراتها الخاصة، أو هي محاولة للخروج من ثوب المكان المحلي الى علامات ثيميَّة جديدة وإنْ كان هناك تناظرٌ في لغة الوصف الشعري، وهذه المسألة تعتمدُ على سياق البناء اللغوي لدى الشاعر، حيث (رغبة متأخرة..، وكاريبو.. وشجرة تعاند الريح.. والروشة وقارئ الكف.. وسادينا.. وكرة الثلج) قصائد كرست لغتها عبر مشهديَّة مجردة لأمكنة عاش لحظاتها لتعبر عن إضاءات استعاديَّة، فهي تبرير رمزي لرؤيا الشاعر، لذا كانت هناك أسئلة مقدرة اجترحت ضمنياً في جميع القصائد
لامست ذاتية الشاعر العمق الحضوري الكبير لإطار المكان، بل تماهت وبطريقة (استيطيقيَّة) مع الهاجس الشعوري المتبادل، حيث (شارع الحمرا../ والمرأة بشعرها الأشقر../ وانشغالها بتلويحة أصابعها..) (ثمّ) (لا حزن يليق بجمال سادينا)، برهان كبير على وضوح تجربة الشاعر في التداخل الإجناسي المتداخل في كل قصيدة، فالمعنى الجمالي بكل أوجهه اللّغوية يخضع لسياق شعري، بمعنى أنَّ سلطة القصيدة هي ذاتها سلطة الشاعر في الاشتغال على خيوط المجاز والانزياح وفروع البلاغة الأخرى.



