باسم فرات: ابحث عن مكان يعيد اليّ دهشة الطفولة و فكرة الانسان بلا وطن كذبة

المراقب العراقي/ القسم الثقافي…
عوّدنا الشاعر العراقي باسم فرات على تدوين أسفاره ورحلاته شعرًا ونثرًا على وفق اللحظة الإبداعية التي يعيشها، فإذا كانت الثيمة صاعقة وتنطوي كما الغيمة المدلهمة على عروق بارقة فلا مفرّ من الشعر الذي يروّض الانفعالات والمشاعر المتفجرة، أما إذا كانت الثيمة هادئة مثل نسْمة مُنعِشة فلا مندوحة من النثر الرقيق الذي يهزّ متلقيه، ويمنحه فرصة نادرة للنشوة والتحليق .التقيناه عبر (المراقب العراقي) وكان لنا معه هذا الحوار.
كيف انتقلت في ما بعد من خلفية شعرية وتجريب متواصل لقرابة العقدين من حياتك الى أدب الرّحلات الذي فزت بجائزة فيه عن إحدى مشاركاتك، هل تعدّ نفسك ناثرًا ورحالة أم شاعر رحلات ؟
-أتذكر في هذا المقام الشاعر “طرفة بن العبد” وتمرده، حيث كان أكثر من تأثرت بمعلقته وأنا فتى غضاً، كما أذهلتني تجربة الصعاليك وأميرهم عروة بن الورد، وكذلك المتنبي الذي كان قلقاً وقد عبر عن ذلك القلق بأروع ما يمكن. هذا الحلم حفر عميقًا في روحي، وهذه الأمثلة من التمرد والقلق وحب الكشف، قادتني إلى هوسِ باكتشاف المجتمعات النائية والغريبة، التي قرأنا عن بعضها في أدب مبدعيها، ولأني أغمس قلبي في التفرد، لم أعشق مدن الضوء التي هي محط هوى وأحلام الجموع، وأنا لا أنتمي للجموع، أنتمي لذاتي، فكان حلمي الذي حققت شيئًا منه وهو أن أسافر إلى بلدان كثيرة، وأن تكون ليست من بلدان المركز بل الأطراف والهوامش، وأعيش حيوات كثيرة.
إذاً، نحن إزاء شطرين من باسم فرات، شطره الذي يحاول أن يعالج قلقه لغويّاً وشطره الآخر الذي يحاول أن يطلق حلمه مكانيّاً، هل هذان صراعان يفضيان الى تصالح بين مكوّنَي اللغة والمكان؟
-ذكرت في نقاش مع ناقد صديق أنني أتصالح مع ذاتي في المكان ببساطة ومدة وجيزة، وأودّ أن أخبرك أنني لا أقرأ عادة، أي شيء عن أي مكان أنوي الانتقال اليه مسبقاً، لان القراءة قد تفسد دهشتي الأولى وكشوفي الخاصة ولذلك غالباً ما أفعل العكس، بمعنى انني اذهب الى المكان واختبر نفسي فيه ثم اقرأ عنه بعد ذلك. عشت طفولة بحرمان مبكر من الأبوين، ربما كل مكان يعيد اليّ دهشة الطفولة المحرومة تلك وتعويضاً بطريقة ما. هذا الحرمان في مقابل التصالح مع المكان، ثم القلق المعرفي الذي ينضمّ إلى هذه الثنائية تجعلني أردد قول الشاعر الفرنسي أرثر رامبو حين قال “ لا تبلى ثيابي في مكان واحد” كانت لدي خشية كبيرة وأنا طفل أن أقضي حياتي في مكان واحد، أن أعيش حياة تقليدية تتمثل بعمل وتكوين أسرة وتكديس أطفال ومن ثم أموال، وأعيش دوامة الحياة التي يعيشها الناس جميعاً، إلّا أقلية تَكاد تشكل خروجاً (صعلكة) على أعراف المجتمع (القبيلة)..
*مازلت أسال عن المشترك النفسي بين قلق الشعر وقلق المكان لديك؟
-المكان يمنحني قصيدة جديدة دائمًا، حتى إنني أجد قصائدي في المكان أقرب لي من قصائد الحب، كلّ مكان جديد يحوّل قلقي من الثبوت إلى قصيدة متحركة، مكتشفة،وتعويضاً عميقاً عن فقدانات كثيرة، تصالحي مع المكان يمنحني فرصة لرؤية جمال لا يراه كثير من الناس، وأقول هذا عن تجربة.
*بوصفك متصالحاً مع كل هذه العواصم العالمية، هل يخطر لك أن تقارن بين هذه المدن وبين مدن وطنك الأول؟
-بلا شك أن العراق هو حنيني الدائم، هناك من يستخدم مصطلحات مثل الانسان الكوني والعالمي وكل هذه فيها مبالغات ومجازات لا أكثر، هناك أمثلة كثيرة على ان الشعور العميق للعراقيين هو واحد، وحدث مثل فوز فريق كرة القدم ببطولة آسيا، أو فاجعة مؤلمة مثل فاجعة الكرادة وَحَّدَتْ مشاعر العراقيين جميعًا، وقد لاحظت ذلك بقوة وأنا في نيوزيلاندا.
لذا أعتقد ان فكرة الانسان بلا وطن هي كذبة، مهما كانت مساحته من الانتماء المنفتح عالمياً، هناك دائمًا وطن وهناك انتماء انساني بإزاء ذلك يتساوى في إدانة الشر، وفي دعمه للخير في أي بقعة من العالم.



