العراق و سوريا ولبنان .. بين هتافات الشارع و خطاب اوردغان

د . جواد الهنداوي
لا صلة بين الحدثان (حدث خطاب وفعل الرئيس اوردغان و حدث التظاهرات الشعبيّة في العراق ولبنان ) ، غير علاقة التزامن و التوظيف .
في منطقتنا ، وخاصة في العراق ولبنان لا مِنْ واقعة سياسية الاّ وفيها يد خارجية ، و كذلك لها ابعاد و ارتدادات خارجية . الإعلان عن الدور الخارجي في شوؤن امن وسياسة واقتصاد دولة أصبحَ قاعدة معمول بها في كل دول العالم ، وبغض النظر عن ديمقراطية الحكم او دكتاتوريته، أّلمْ تُتَهمْ روسيا بالتدخل في انتخابات أمريكا الديمقراطية ؟ أَلمْ يتهمُ الفرنسيون سّراً امريكا بوقوفها خلف حركة اصحاب ” الستر الصفراء ” .
الاتهامات و خلق و توظيف الأحداث السياسية أمور واردة في بيئة دول مستقّرة و قويّة ،كيف و الحال في دول مثل العراق ولبنان ؟ .
لا شّكَ في شرعيّة و أحقّية التظاهرات و المطالبات في انطلاقها و بدءها ، ولكن لحماية مسارها من الانحراف و سوء التوظيف لا بُّد من رعايتها : رعاية حكومية ، تتجسّد في الشروع بالإصلاح واتخاذ مايلزم لتحقيق ما أمكن من المطالبات الجماهيرية ؛ و رعاية سياسية تتجسّد في تبني شعارات وطنية تحترم الدولة والدستور و إرادة الشعب . التظاهر بشعارات تدعوا الى إسقاط النظام و تعتدي على ممتلكات الدولة و مقرات الأحزاب هو غير التظاهر بشعارات تدعو الى محاسبة الفاسدين و تحقيق العدالة و تطبيق مبدأ تكافئ الفرص والتخلّص من المحسوبية ، التظاهر بشعارات كلا للفساد ، وكلا لإسرائيل هو تظاهر برعاية سياسيّة وله معناه و مغزاه : أَو ليسَ اسرائيل هي التي اعتدت على العراق وقصفت مواقع عسكرية في العراق و لا تزال .
خطاب السيد حسن نصر الله يوم السبت ٢٠١٩/١٠/١٩ ، وبمناسبة اربعينيّة الإمام الحسين ( ع ) ، وتناوله التظاهرات في لبنان ، وتلويحه بالنزول الى الشارع عند اقتضاء الضرورة ، هو إشارة استعداد لرعاية التظاهرات سياسياً للحيلولة دون توظيفها نحو انهيار الدولة وإسقاط النظام او الحكومة ، وقد قالها الرجلُ ،في كلمته اليوم ، صادقاً و صريحاً و كعادته .
في كلا البلديّن ، يوجد ادراك و وعي لاستهداف إمبريالي و صهيوني و رجعي للبيئة التي حاربت و انتصرت على الإرهاب وتقاوم الهيمنة الاسرائيلية و ترفض التطبيع على حساب حقوق الفلسطينيين و العرب وعلى حساب الشرعية الدولية و قرارات مجلس الأمن و الأمم المتحدة .
ما علاقة ذلك ( ما ذكرناه اعلاه ) بالخطاب الأخير للرئيس اوردغان ؟ خطابه سياسياً بأمتياز و موجهاً ليس لشعبه وإنما للعرب (شعوب و دول و جامعة عربية ) ، ولامريكا وللغرب .
ظهرَ في خطابه مُدافعاً عن سوريا وهو في الميدان مُعتدٍ ومُحتلاً لجزء من ارضها ! أعابَ على البعض من العرب وعلى امريكا وعلى الغرب فعلة دعمهم للإرهاب في سوريا ، وايّدهُ في ذلك ، في اليوم التالي لخطابه ، رئيس وزراء قطر الأسبق و وزير الخارجية الأسبق الشيخ حمد بن جاسم آل ثان ، في تغريدة له على تويتر ليوم ٢٠١٩/١٠/١٩ .
أعابَ على الجامعة العربية فعلة اخراج سوريا من الجامعة العربية . يمكن وصفْ خطاب الرئيس اوردغان بأنه خطاب لمحور المقاومة ! ربما يرى الرئيس اوردغان في جبهة النصرة و الجماعات المسلحة الإرهابية الأخرى ،والتي ارتكبت جرائم ، و المدعومة منه ، بانهم جزء من حركة اخوان المسلمين ، وهي بالتالي حركات سياسيّة وليس ارهابيّة !
ما وَردَ في خطاب اوردغان ، وهو رئيس دولة فاعلة في المنطقة ، من حقائق تجاه دول ساعدت و موّلت الإرهابين ، و توّرطت في دماء وهجرة و معاناة الملايين ، يصلحُ ان يكون موضوع للمسإلة القانونيّة ، موضوع للمطالبات و الهتافات الشعبيّة بمقاومة الإرهاب و الاحتلال و الفساد .
تركيز الرئيس اوردغان على حقائق ،سبقَ و إن قالها علناً الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني ،تخُصُّ الإرهاب ، هو محاولة خادعة و فاشلة منه لتبرير او تمرير احتلاله لاراضي سورّية .
انتقاده للتواجد الدولي و الامريكي على الأراضي السورية ، و وصفه تواجد غير شرعي ،لانه ليس بطلب من الحكومة السورية ،يترك لدينا انطباع بوجود تفاهم روسي إيراني تركي على التواجد او الاحتلال التركي لجزء من شمال سوريا !
نجاح الروس في جعل تركيا تتفاعل و تتعاطى إيجابياً مع المحور الروسي الإيراني السوري امرٌ يُغيظ اسرائيل و امريكا ، ويدفعهما للرّد ، و دائماً يكون الرّدْ في المنطقة الرخّوة لمساحة المحور ( العراق و لبنان ).
أرادَ الرئيس اوردغان مِنْ خطابه ، تحاشي الصدام مع الشعوب العربية ، و عدم احراج حركات الإخوان المسلمين التي يرعاها ، فأنتقدَ بقساوة الجامعة العربية والدول العربية عن صمتها وعدم ادانتها للقوات الأمريكية ولقوات التحالف الدولي المتواجدة في سوريا .
يوم بعد يوم تفضحُ الأزمة في سوريا مساوئ الفواعل الذين ساهموا في خَلقِها و ديمومتها ، دُولنا هي التي تمّرُ بالمخاض ،ولكن الولادة ستكون عند امريكا و أيران حين تُلزمهما الظروف ، وكلٌ حسب قدرته وحاجته ، الى الاتفاق.



