رصد الأصول الآشورية للحضارة الفارسية

يخلو التاريخ من أية حضارة لم تتأثر بحضارة معاصرة أو سابقة لها على الرغم من ادعاء الكثيرين العكس فأغلبية الناس وبشكل خاص السياسيين ومن يدعون بتفوقهم العرقي يحاولون اثبات ان حضاراتهم هي الأصل ومصدر الهام الآخرين أو على الأقل ظهرت بشكل مستقل على الرغم من وجود من سبقهم في هذا المنوال. فقد تأثر الرومان باليونانيين وتفوقوا عليهم وكذلك المصريين بالسومريين ولكن ما لا يعرفه الكثيرون هو التأثر البالغ للحضارة الفارسية بالحضارة الآشورية. وفي الواقع أن الحضارة الفارسية ما كانت لتظهر لولا الحضارة الآشورية التي سبقتها. وسنحاول هنا ان نبين هذا الموضوع بشكل وافٍ على الرغم من ضيق المساحة المتاحة. ظهر الفرس في منطقة صغيرة في إيران الحالية على شكل قبائل رُحّل ويحتمل أن اسم «الفرس» مشتق من اسم احدى قبائلهم ولم يعرفوا الكتابة يومها وقد سُميت مناطقهم بـ «بارسوا» ونظراً لظهور هذه الأسماء في مرحلة متأخرة فأن هذا يعطي الأنطباع بأنهم قد سكنوها حديثا بعد قدومهم من مناطق في الشرق. وقد ذكروا لأول مرة من قبل الآشوريين في القرن التاسع قبل الميلاد وكانوا آنذاك قد أخذوا يكوّنون قرى وبلدات صغيرة تحت الحماية الآشورية حيث سيطر الآشوريون على مناطق القبائل الفارسية خوفا من أن تغير على المناطق الحدودية الآشورية وعلى الطرق التجارية وكان هذا مصدر الرزق الوحيد للقبائل الفارسية، وكان الآشوريون سباقين لحمايتهم كلما تعرضوا لتهديد خارجي، فقد استغاثت بهم القبائل الفارسية مرات عدة. وعندما انتهت الأمبراطورية الآشورية على يد التحالف الميدي – البابلي كان الفرس دويلة فقيرة انتهى بها المطاف لتكون تحت السيطرة الميدية. وقد تزوج ملك هذه الدويلة الفارسية من أبنة ملك الميديين التي انجبت الملك قورش والذي يعد مؤسس الامبراطورية الفارسية والذي أعلن الحرب على جده من امه الملك الميدي عام 553 ق.م. وانتصر عليه عن طريق الدسائس وذلك باقناع قائد جيش الميديين بخيانة ملكه والانضمام إلى الفرس وهو أسلوب اتبعه الفرس مرات عدة لاحقا في اليونان وبابل وهكذا بدأت الامبراطورية الفارسية الأولى وكانت تسمى الامبرطورية الأخمينية وأهم أديانهم كانت الزرادشتية التي آمنت بانتقال الروح من جسد إلى آخر وعدم دفن الموتى والمزدكية وقد أستمرت هذه الدولة حتى 330 ق.م. عندما اجتاحها الاسكندر المقدوني بسهولة. وقد ظهرت دولة فارسية ثانية تسمى الساسانية عام 224 ق.م. انتهت بالفتح الإســـلامي عام 651 م. وكان واضحا من البداية افتقار الفرس لكل ما يميّز الحضارة آنذاك فلم تكن لديهم كتابة أو مستوى تكنولوجي متقدم ولذلك فقد لجأوا إلى الحضارة العظيمة الوحيدة التي عرفوها وهي الحضارة الآشورية فأعتمدوا عليها في أغلب الأشياء وعلى ما تبقى من الآشوريين لسد النقص.




