ثقافية

خصائص الثورة الحسينية

المراقب العراقي/ متابعة…

بعض الثورات تمتدّ أيديها في الزمان إلى سنين أو عقود، وتمتدّ جذور رقعتها الجغرافية إلى دولة أو دول، وتحمل من القيم النبيلة الكثير من المبادئ والقيم والشعارات والدساتير العظيمة، وتتسع دائرة تأثيرها الإنساني إلى مجتمع أو مجتمعات وشعب أو شعوب وثورات، وتحظى من بين الثورات الأخرى بشيء من الفرادة والتميز.

أما ثورة الإمام الحسين الشهيد  فلها مميزات خاصة تميّزها عن جميع الثورات البشرية،حيث تتميّز ثورة الإمام الحسين  بقصر الزمان، وضآلة المكان، وقلة العدد: فلا يكاد يصل زمانها لنصف يوم، ولم يمتدّ مكانها لأكثر من بقعة محدودة من أرض كربلاء، ولم يتجاوز عدد من حملوا فيها لواء الثورة ثلاثة وسبعين شخصاً أو يزيدون قليلاً.

وعلى الطرف المقابل هناك حروب طحنت رحى الزمان: فحرب الوردتين دامت مئة عام، وحرب البسوس التهمت أربعين سنة، وحرب داحس والغبراء حصدت الأعمار في قبيلتي (عبس وذبيان) أربعين سنة.

وهناك حروب وثورات تمددت على أرجاء المكان: فمعركة الفرس والروم التي ذكرها القرآن الكريم، وانتهت بهزيمة الروم: ﴿ألم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾، امتدت من فارس إلى تركيا، ثم إلى خاتمة بلاد الشام، وحسرت مياه الدولة الرومانية في أضيق روافدها، فتقلصت إلى بعض إمارات شمال أفريقيا وروما.

وفي سنة 199هـ قامت ثورة محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن المثنى بن الحسن المحضّ بن علي بن أبي طالب، المشهور بـ (ابن طباطبا الحسني) و(ابن طباطبا العلوي)، وكان يدعو إلى الرضا من آل محمد، والعمل بالكتاب والسنة، وثار في الكوفة أيام المأمون، وأوكل جيشه إلى أبي السرايا (السريّ بن منصور الشيباني) الذي خرج من الكوفة بجيش كبير جرّار قوامه زهاء مئتي ألف وأكثر، وكان أحد أبرز طلائع هذه الثورة في الكوفة: إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وامتدت إلى الكوفة والبصرة ومكة واليمن، وأرقت عين الدولة العباسية، وأقضت مضجعها.

أما الحربان العالميتان الأولى والثانية، فيحلو لكثيرين تسميتهما بالحربين العالميتين، والحربين الكونيتين؛ لأنّ سعير لظاهما امتدّ من الولايات المتحدة غرباً، إلى اليابان شرقاً.

وأما من حيث الأفراد، فقد اكتظت حروب بضحايا أكثر مما ترشح عن أرض كربلاء: فالحرب العالمية الأولى انجلت غمتها عن أكثر من 22 مليون قتيل، والحرب العالمية الثانية زال كابوسها بعد أن طحن 70 مليون، دفعت روسيا وحدها 27 مليون قتيل، واليابان 2.8 مليون قتيل.

ومع المحدودية الكمية من حيث الزمان والمكان والعدد، فإنّ ثورة كربلاء من بين جميع الثورات الإنسانية كانت ـ من الناحية الكيفية ـ الأعمق في القيم، والأشمل في المثل، والأبعد في الغايات، والأنزه في الوسائل، والأغنى في الشعارات، لقد ارتقت شأواً لم تستطع أن تبلغه أو تطاول هامته السامقة ثورة أخرى على طول أزمنة البشرية وتعدد أماكنها.

لقد كان من بين قيمها الكثيرة: حفظ الدين والإسلام، والدفاع عن الحقّ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإصلاح والتغيير، والعدالة، والكرامة والعزة والإباء، والحرية، والإنسانية، ومواجهة الظالم والدفاع عن المظلومين، والسلم واللا عنف، وسمو الفكر والهدف، وتحريك العقل والوجدان، والبطولة والشجاعة والتضحية، والتسامح والإخاء، والشفافية والوضوح مع الأتباع والناس والأعداء، في الوسائل والأهداف والتعبير.

وهذا ما يجعل الخطباء والكتاب ينتحون من نهرها الخضم دون نفاد، ويجعلهم مقتنعين أنّهم سيجدون لكلّ قيمة مثلى شاهداً من الحسين وخاصته، ولكلّ مثلبة ودناءة شاهداً من أعدائه، حيث يزيد، وابن زياد، وعمر بن سعد، وشمر، وأزلامهم.

بينما الثورة الفرنسية التي قامت بين (1789ـ 1799م)، وأُعلنت فرنسا جمهورية في 21/ سبتمبر/ 1792م، ارتكزت على ثلاث قيم أساسية هي: «الحرية، والمساواة، والعدالة». وثورة مارتن لوثر كنج التحررية في الولايات المتحدة الأمريكية؛ ارتكزت على تحرير العبيد السود، والثورة البلشفية والمنشفية في روسيا، قيمتها الأساسية تكثفت في مواجهة الحكم القيصر وإحلال الاشتراكية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى