سعة التأثير الإنساني للثورة الحسينية

المراقب العراقي /متابعة…
الثورة الحسينية كانت الأطول حضوراً، والأوسع مدى، والأعمق أثراً، فهي الأطول مكثاً في العقلية الاجتماعية والضمير الإنساني، ودورها الكمي في طول الزمان وعرض المكان، والكيفي في نوعية القيم والوسائل؛ مستمر متجدد مع الأيام.
لقد أثرت في كثير من الثورات: بدءاً من ثورة عبد الله بن عفيف الأزدي (61هـ)، وثورة التوابين (65هـ)، ومروراً بثورة المختار الثقفي (66هـ)، وانتهاء بثورة غاندي، والإمام الخميني (1399هـ). بينما امتدت أذرع الثو
رة الروسية لتؤثر في الصين، وترسم حركة ماو تسي تنغ، ثم إلى كوبا، وكوريا الشمالية، وسوريا وليبيا، والدول التي اعتنقت الفكر الاشتراكي.
إنّ ثورة كربلاء ثورة فريدة متميّزة رائدة، كفلت لها فرادتها الامتداد في الزمان والمكان والشعوب والقيم والعقل الاجتماعي والإنساني، وكتبت لها ما لم يُكتب لثورة أخرى كالثورة الأمريكية أو الفرنسية أو الروسية أو الصينية أو الفيتنامية أو الجزائرية.
ولعلّ أهم عنصر وسبب لهذه الفرادة هو عظمة الرمز وسموه، المتمثل في الإمام أبي الأحرار الحسين بن علي
، وكونه سبط النبي محمد ، وخامس أهل الكساء، والإمام المعصوم، والمفترض الطاعة، يُضاف إلى عظمته الشامخة.. الطريقة البشعة الأليمة لمقتله والأحداث الجسام المروعة لكربلاء، والتي لم يجر نظير لها على رمز مثله في الأرض!!، الأمر الذي كان يجعل منه السلوة بفقد من قبله من المعصومين (الرسول، الأمير، الزهراء، الحسن)، وكون مماته كمماتهم جميعاً.
وبشاعة المقتل الدامي وعظمة الأحداث في يوم كربلاء هي ما حدا بالإمام الحسن الزكي
للقول: «لا يوم كيومك، يا أبا عبد الله»، وحدا بالإمام السجاد للقول: «ما من يوم أشدّ على الله ورسوله ـ صلى الله عليه وآله ـ من يوم أحد؛ إذ قُتل فيه عمه الحمزة بن عبد المطلب: أسد الله، وأسد رسوله. وبعده يوم مؤتة، قُتل فيه ابن عمه جعفر بن أبي طالب ـ عليه السلام . ولا يوم كيوم الحسين ـ عليه السلام ـ؛ ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل يزعمون أنّهم من هذه الأمة، كلّ يتقرّب إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ بدمه، وهو بالله يذكّرهم فلا يتعظون، حتى قتلوه بغياً وظلماً وعدواناً«
لقد كانت كربلاء شعلة وقادة ومعلماً هادياً مذ بدأت، ولا زالت نجماً وضاء ونبراساً هادياً، وستبقى إلى يوم البعث، بل وفي محفل القيامة الذي تقدمه الزهراء بقميص الحسين المخرّق المدمّى؛ لتحاكم القتلة، وتنتصف منهم!!
وقد تجاوز عمر واقعة كربلاء الآن ألفاً واربعمئة سنة، لكنّ أنهارها لا زالت متفجرة دفاقة، وشلالاتها لا زالت صاخبة هدّارة، ومروجها لا زالت نضرة مثمرة، وزهورها لا زالت شذية فوّاحة، وبلغت رقعتها كلّ بقاع الأرض، وألهمت الكثير من الثورات التاريخية والمعاصرة، الدينية وغير الدينية، المسلمة وغير المسلمة.
إنّ كربلاء كانت ولا تزال وستبقى أكبر شمس عملاقة تنضح بالنور والحرارة والدفء والحيوية والطاقة.
ومن بين أسباب خلود ثورة الحسين: ما تحلت به من خصائص وسمات ذاتية وقيم عالية ومناقب فذة، وما رفده بها أئمة أهل البيت
من حرص راسخ على بقائها طوداً يناطح عوامل النسيان والطمس والإلغاء والتصفية، رفدوه بنشر أحداث كربلاء وظلاماتها، والدعوة لكتابة الشعر في الحسين، والبكاء والإبكاء عليه، وإقامة مجالس الإنشاد (النعي) فيه، وحضورهم
فيها مباشرة، واستماعهم للناعين المفجّرين لقريحة البكاء الفجائعي الحزين المتقد أسى ولوعة على الحسين الشهيد، كأبي عمارة المنشد، وأبي هارون المكفوف، وجعفر بن عفان الطائي، وفضيل الرسّان، وعبد الله بن غالب، ودعبل الخزاعي.



