إقتصادي

مخطط التقسيم .. بين داعش ومذكرات بول بريمر

9888

هذا المندوب السامي الذي عين بعد سقوط بغداد، لم يخجل في مذكراته حين أكد أنّ العراق ما قبل الاحتلال لن يكون كما بعده. وتأكيدًا على هذا الامر، كان أول قراراته حل الجيش العراقي وتسريح جميع ضباطه وجنوده. لقد كان المخطط الموروث لا علاقة له بسقوط صدام ولا بحرب الخليج، بل كان يعود الى أوائل القرن الماضي والى ما قبله، حيث لم تفلح الدول المنتصرة في الحرب العالمية الاولى في القضاء على رأس الخلافة الاسلامية في تركيا نتيجة ظهور الشيوعية في روسيا، وعدم إنصاف امريكا كقوة امبراطورية صاعدة، مما ادى الى دعمها بقاء تركيا على الطريقة الاتاتوركية لتبقى مخلبًا اسلاميًا مبطنًا في مواجهة روسيا واوروبا عامة. كلنا نذكر معاهدة سيفر ومقررات الرئيس الامريكي ويلسون في حق تقرير المصير للشعوب، والتي أقرّت اقامة دولة كردية حينها الى جانب «إسرائيل» مترافقةً مع دولة لبنان الكبير على حساب الاراضي السورية.في العمق، تم انشاء دولة لبنان الكبير و»إسرائيل» وتوقف إنشاء الدولة الكردية التي بقيت حلمًا ترعاه اتفاقية هرتزل مع مصطفى البرزاني، والتي كانت تجري من خلف البريطانيين وبالتنسيق مع الامريكيين الذين كانوا يرثون المواقع البريطانية تباعًا وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية. نعود الى برايمر الذي لم يتخذ قراره بحل الجيش العراقي الا بعد ان كان مخطط الدولة الكردية في العراق قد وصل الى مراحل متقدمة، والذي اشرفت عليه «إسرائيل» وبرعاية امريكية ليصبح القوة الضاربة الاولى بعد حل الجيش العراقي، وهذا ما اوصلها الى رئاسة الجمهورية في ظل اعادة بناء الجيش على نمط يحكمه الشيعة مع عزل الطائفة السنية لخلق ارضية صالحة للقاعدة وما شابهها للاستيطان في العراق. لقد لعب الامريكيون على الوتر الطائفي ليستطيعوا ضرب الدولة القومية الممتدة من بغداد الى دمشق، والتي كانت تشكل رادعًا وحاجزًا حقيقيًا للتوسع الاسرائيلي وللمخطط الامريكي في اقامة الدول القومية الاخرى التي تعتمد على تفتيت الكيان الذي لم تستطع اتفاقية سايكس بيكو ان تقوم به، مما ادى الى تدخل امريكي مباشر ساهمت به بعض دول الخليج وخاصة السعودية نتيجة ارتباط وجودها المصيري بالمخطط.في العمق، عند سقوط بغداد كانت القناعة الامريكية أنّ سقوط دمشق اصبح تحصيل حاصل، وأنّ تقسيم العراق اصبح امرًا واقعًا. ولكن المفاجئ لها ان دمشق شنت منفردة هجومًا مضادًا سرعان ما لقي دعمًا من دول حليفة بدأت بطهران لتنتهي في موسكو وبكين. هذا الهجوم المضاد فعل المقاومه في العراق وواجه حربًا مع «اسرائيل» وصل الى مرحلة تهديد وجودها. وطبعًا لا ننسى ان الهجوم الذي سبق اسقاط بغداد كان اسقاط القضية الفلسطينية مع اسقاط بيروت، وقد كان لدمشق دور مع القوى الوطنية اللبنانية بإسقاط مخطط 17 أيار واخراج الاسرائيليين من لبنان.في الحقيقة، امام هذا الواقع كان لا بدّ من انشاء تحالف دولي لكسر اقفال المخطط الذي كانت دمشق تمتلك مفاتيحه. لقد كانت مذكرة كولن باول واضحة، والتي كانت تطلب التسليم بالمخطط والخروج من دائرة الصراع بكامله وعودة سورية الى داخل سورية او أنها ستعاد بالقوة، ولقد كانت حرب تموز 2006 هي القشة التي قصمت ظهر البعير واخرجت المخطط الرئيس بالتدخل المباشر لتقسيم وتفتيت سورية، وكان المطلوب في البداية اعادة سورية الى داخل سورية، اي اخراجها من قوتها الاقليمية لكي تتم السيطرة عليها من اجل اكمال مخطط الاستيلاء على بلاد الرافدين بكاملها.في العمق، امام هذا الواقع وضعت عدة مخططات اهمها توحيد الجبهات لتشمل تركيا و»إسرائيل» وكل دول الخليج والغرب المنتفع، ووضع على الطاولة مخطط البعد الطائفي الذي يخرج من يد سورية ائتلاف المقاومات التي كانت تشمل كل الاطياف الاسلامية،وقد قاد هذا المنحى تركيا والسعودية والاردن التي دعمت الاخوان المسلمين ليكونوا رأس الحربة في الضرب على هذا الوتر الذي تجلى بمقولة الخوف من «الهلال الشيعي». هذا الوتر نجح في اخراج المقاومة السنية العراقية وحماس وبعض التنظيمات الفلسطينية خارج المعركة لتنضم وبعناوين متعددة تحت راية المخطط الذي وضعه عدوهم. هذا المخطط نجح في الدخول الى الداخل السوري ولاقى رواجًا عند المتضررين من الصراع على السلطة، فأعلنوا الثورة التي لاقت فورًا غطاءً غربيًا جاهزًا لازال مستمرًا حتى الآن. وبدأت من حينها محاولات استمرت لعدة سنوات لقضم الجغرافية تمهيدًا لإجراء حالات التقسيم المبرمجة عليها، هذا الامر محكوم عليه بالفشل، لأن التقسيم لن يقف على العراق او سورية بل سيطال تركيا التي فيها شرائح دينية يصل تعدادها الى الملايين لن يبقوا في الجسد التركي إن اعلنت دولة في الساحل مثلًا، ولن يبقى اكراد تركيا في الجسد التركي ان اعلنت الدولة الكردية. وعلاوةً على ذلك، ان ترك التيار السني العراقي ليكون مزيجًا من خليط جهادي اممي يدعى داعش، سيكون قنبلة ستنفجر لتحطم الكيان الهش في الاردن والسعودية ودول الخليج، لأن داعش ستكون المارد الذي يخرج من القمقم ليصنع خلافة تضرب مخطط التفتيت والتقسيم.أمام هذا الواقع، طرح اوباما تحالفًا سنيًا لضرب داعش ولتقسيم المنطقة، بحيث يتم تفتيت العراق وضمه الى الدول المجاورة بحيث تصبح البصرة مثلًا جزءًا من ايران المتصالح معها والتي ستكون بمواجهة تركيا السنية التي تشكل توازن قوة موصول بباكستان تمهيدًا لمواجهة روسيا والصين والهند الصاعدة، مع اعلان الدولة الكردية لحل جزء من مشكلة تركيا ولكن على حساب الشرق والشمال السوري. اما الانبار وباقي المناطق السنية العراقية، فستكون جزءًا من الاردن الكبير الذي لن يبقى هاشميًا بل خلافة اسلامية صغيرة تتوقف عند قطر التي سترث العرش السعودي الذي سيقسم الى دويلات نفطية تسيطر عليها «إسرائيل». كل هذا الامر سيتم قبل التوجه الى مصر حيث القنبلة الديمغرافية النائمة.هذا المخطط الهوليودي اعطاه اوباما مرحلة 30 عامًا لتنفيذه، حيث هو في العمق يعلم ان المخطط سيفشل نتيجة المقاومة السورية التي اعتمدت نظرية الجنرال زمن والتي تحملت خسائر بشرية هائلة اوصلتها لتكون القوة الرافعة للوعي القومي الذي بدأ يتشكل باتجاه رفض التقسيم والبحث عن الهوية التي بدأ الجميع يحاول تمزيقها.قد يكون الآن، وخاصة بعد حرب اليمن والمواجهة السعودية مع ايران او حلف المقاومة، ان المشهد هو حرب سنية شيعية او محاولات لإلباسها هذا اللباس، ولكن الاصرار السوري على اعتبار «اسرائيل» هي العدو جعل المخطط يدخل في حالة فقدان توازن، وهذا ما جعل امريكا تدخل بشكل مباشر من خلال تركيا لتحتل جزء من الاراضي السورية وتعطي تركيا الاذن باستعمال الطيران، وتعطي الامر لداعش باحتلال تدمر كي تستطيع حينها فرض مناطق خارج السيطرة السورية، وهذا ماجعل السوريين وحلفاءهم يتجهون الى مفهوم الحرب الاقليمية، والتي ستجري عند تدخل اول جندي رسمي تركيا. أي حينها ستكون سورية وحلفاؤها بمواجهة الاطلسي الذي فشل في جورجيا واوكرانيا، وسيفشل ايضًا في سورية. اننا في ارض المعركة، ولم تستطع امريكا او «إسرائيل» ان تبقى في بيروت او بغداد،وهي لن تستطيع ان تحطم مقاومة دمشق.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى