عربي ودولي

تقسيم سوريا … بين الواقع والأحلام

32d1d37c99fd464b7907abd3965bb24e

كثُر الحديث في الأيام الماضية وبشكل كبير عن حتمية تقسيم سوريا، وغصت عشرات الصحف والقنوات التلفزيونية بالتحليلات التي تصب في هذا الاتجاه، ما بين متوجس وحاسم لفرضية التقسيم كأمر واقع، وفاضت الاقلام بحبر التقسيم فلم يبق إلا ترسيم الحدود وإعلان الدويلات الجديدة.قبل البدء بسبر غور الواقع الميداني السوري اليوم وحقيقة ما يجري على الأرض لا بد من الاشارة الى ان الدوائر المختصة في واشنطن اوعزت الى الاعلام الغربي التركيز على موضوع تقسيم سوريا هذه المدة وتحديداً قبل انتهاء المهلة المحددة لتوقيع الاتفاق النووي. جاشوا لاندز، رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما الأميركية، قاد الحملة، وسانده بها روبرت فورد السفير الامريكي السابق في دمشق، الذي قال للصحافيين بُعَيد الاحتفال المخصص لمنظمة حقوق الانسان، ان عليهم التركيز على موضوع تقسيم سوريا أكثر من أي وقت مضى. فبدأت كبريات الصحف الامريكية بالترويج لموضوع التقسيم وقامت الصحف العربية التي تسير في ركب المنظومة الإعلامية، الصهيو – أمريكية بتلقف “التعليمة” والاستفاضة بها، ووقع بعض الاعلام المؤيد لمحور الممانعة في المنطقة في فخ التوجس، الى درجة اخافت الجميع ، وأصبح الحديث عن التقسيم هو حديث الساعة والهاجس الاكبر لدى الجميع وخصوصاً بعد التطورات الأخيرة في الرمادي العراقية وغير مكان في سوريا. إنها كذبة مفتعلة تطابق في تسويقها شروط غوبلز في الدعاية، على قاعدة “أكذب وأكذب وأكذب حتى يصدقوك”. ولعل توقيت بث هذه الشائعة، تزامناً مع السقوط الغامض لتدمر وقبلها الرمادي وقبلهما ادلب وجسر الشغور، معطوفةً على انخفاض في مستوى “توازن الرعب” السياسي والدبلوماسي في كل من طهران وموسكو، جاء في خدمة هذه الكذبة الكبيرة، حتى كاد المؤمن بالانتصار أن يشك به، ويتزعزع ايمانه وتسقط من فكره أدنى عناصر فشل هذا المشروع وهي كثيرة.خلال السنوات الخمس الماضية، وتحديداً قبيل الانتصار المفصلي الكبير في القصير، كانت دبابات الارهاب التكفيري قد وصلت الى سور مطار دمشق، وهي تتجهز لقصف القصر الرئاسي. حينها، كانت الجماعات المسلحة تسيطر على أكثر من 75 بالمئة من الجغرافيا السورية، فلماذا لم يخشَ الشعب السوري المؤمن بدولته خطر التقسيم ؟ ولماذا لم تنبرِ وسائل الاعلام التابعة للمحور الذي يستهدف سوريا، للحديث عن التقسيم ولو بربع ما تفعله الان ؟ وان كان السبب يرجع الى اعتقادهم بأن المطلوب حينها، اسقاط النظام بالكامل وليس اقتطاع اجزاء من سوريا، وتحويلها إلى دويلات، فالحديث عن التقسيم الآن يؤكد اولًا فشل هذا المحور في اسقاط النظام واعتراف غير مباشر بصعوبة إسقاطه ويثبت ثانياً ان من استطاع في تلك الظروف الصعبة جداً، أن يمنع سقوط سوريا ، هو قادر ايضاً على منع مشاريع التقسيم سيما وان وضعه اليوم افضل بكثير مما كان عليه قبل كانون الثاني 2013. بالعودة الى وضع الميدان ، لا بدَّ من مقاربة واقعية وبعيدة عن اسلوب التجييش ورفع المعنويات. ففي بداية الحرب على سوريا، كان المطلوب من الجيش السوري الدفاع عن كامل التراب السوري والانتشار فيه، اي 185 الف كلم مربع. ولو اعتبرنا اننا بحاجة لعشرة جنود في الكيلومتر الواحد فنحن سنكون بحاجة الى اقل من مليوني جندي بقليل، لذلك كانت اولوية الجيش حماية العاصمة ثم المدن الكبرى ثم ما بينها، والانتقال بعدها الى المساحات الجغرافية الباقية على أساس القضم والضم. حقق الجيش نجاحاً في الخطة، ورأينا انجازات مهمة لا يمكن نكرانها، وعلى الرغم من شراسة الهجمة “الكونية”، تمكن الجيش العربي السوري من هزم ارادة العالم أجمع ولو قُدر لأي جيش في العالم نفس المواجهة لسقط منذ الاشهر الاولى. لكن هناك مسألة مهمة جداً تغيب عن اذهان المراقبين، ان التدفق الدائم لآلاف الارهابيين على سورية شكل خطراً مستمراً، فكلما تخلص الجيش من مجموعات مسلحة واستعاد منطقة ما، أتى مقاتلون جدد وأعادوا استنزاف الجيش مراراً وتكراراً، في حين ان الجيش السوري عديده ثابت وما يخسره من عديد لا يمكنه استرداده من الخارج. لذلك، بات على الجيش ان يغير في أولوياته، وان يحافظ على جنوده المقاتلين لأنّ الحرب طويلة، وان يعيد تجميع تلك القوات وعدم بعثرتها للامساك الدائم بزمام المبادرة وتغيير التكتيك القائم، لذا تعكف قيادة الجيش السوري الآن على اعادة درس تكتيكاتها من منطلق التخفيف من التبعثر الجغرافي وتركيز القوات تماماً كما يفعل الارهابيون حينما يجمعون قواتهم ويهجمون بأعداد كبيرة على جغرافية محددة. وعليه، فإنّ خسارة بعض المناطق على اهميتها، قد يبدو مكلفاً في سياق الصراع القائم، إلا انه لا يعني بتاتاً ان الموازين انقلبت او ان هناك تسوية اقليمية ما، على حساب سورية، خصوصاً وان ايران، الداعم الاكبر لسوريا، كانت ومازالت، واليوم تحديدًا عبر وزير دفاعها الجنرال دهقان، تؤكد وحدة سورية والوقوف بشدة في وجه كافة مشاريع التقسيم. وايران التي فصلت بحث ملفها النووي عن اي ملف اخر، لم ولن تمنح الغرب الآن ما لم يأخذه خلال المفاوضات. أما الحديث عن تراجع في الموقف الايراني فهو عار عن الصحة، وإذا ما نظرنا الى الزيارات المتكررة لأركان الحكم السياسي والعسكري الايراني الى سوريا في الشهرين الماضيين، سنجد ان الايرانيين يبحثون مع نظرائهم في سوريا، سبل شبك المحور عسكريا وإلغاء الجغرافيا المقاومة بين لبنان وسوريا والعراق لتكون جبهة واحدة في مواجهة جبهتي داعش والنصرة وما بينهما، وهذا ما أكده وروّج له سماحة الامين العام حينما دعا في خطاب التحرير الى تكريس المعادلة الثلاثية وتفعليها كجبهة واحدة. وهنا لا بد من الاشارة الى ان التروي الإيراني نابع من هدف تفويت الفرصة على اي تعطيل للاتفاق النووي القادم، وهذا ما تسعى اليه “اسرائيل” وجماعتها في الكونغرس، وخلفهما ممالك الخليج لاستدراج ايران الى مواجهة بتوقيتهم هم. إيران تعي جيدًا أنّ الحل الوحيد في سوريا هو كف يد تركيا عن ارسال الارهابيين، ولعل انجاز الاتفاق النووي سيسمح لإيران البدء بالتخلي عن الحاجة لتركيا بعد غزو الشركات العالمية لإيران مما سيجعل الثلاثين مليار دولار وهو حجم التبادل مع تركيا، قابلة للتخفيض أو الاستبدال بالكامل عبر الاسواق الجديدة، وسيمكن ايران من استيراد ما كانت تحصل عليه من حاجيات تكنولوجية من تركيا، خلال مدة العقوبات من اي مكان في العالم، وكذلك تصدير الغاز لأسواق بديلة عدة. ولهذا، فإننا امام مرحلة صبر استراتيجي حدوده شهر كامل وبعده سيتغير المشهد بالكامل وستكمل حينها عناصر القوة من اريحية ايرانية في مقاربة التوازنات، الى شبك مثلث المقاومات بين لبنان وسوريا والعراق، سيما وان الحشد الشعبي في العراق قد اعد العدة واستكمل التحضيرات اللوجستية والبشرية التي فاقت حتى الآن، الثلاثين الف جندي لمعركة الانبار، مما سيشكل تغيراً جذرياً في المشهد كله.أخيراً، وبالعودة الى التقسيم ، كما قلت آنفاً ان الجيش السوري بحاجة الى مليوني جندي لحماية جميع التراب السوري، فإن كل من السعودية وقطر وتركيا ستحتاج الى الرقم نفسه للاستيلاء على سوريا وفرض التقسيم وهذا مستحيل، لأنّ هجوماً من عشرة آلاف أو عشرين الفاً على تدمر أو غيرها، ممكن ان يحقق انجازاً ظرفياً لكنه لن يحقق ثباتاً دائماً يكرّس التقسيم، ولا ننسى ان المشروع الداعشي يسعى الى الوصول الى بيروت، فعن اي تقسيم نتحدث وفريقا الصراع غير موافقين عليه ؟.
محور الممانعة صامدٌ وسيصمد، وسيفشل مشروع التقسيم وهذا قراره النهائي. منظومة الممانعة ممنوعٌ عليها ان تسقط، لأن في سقوطها سقوط المقاومة في لبنان وسقوط سوريا والعراق وحتى سقوط إيران وهي صاحبة الطلقة الاخيرة. أما الكيانات الأخرى، الخانعة والمرتهنة والوظيفية، ستشكل الحلقة الأضعف وهي ستشكل البديل الاسهل للتقسيم وعلى رأسها دولة العمالة السعودية التي دخلت مرحلة الاهتزاز ولا تملك من عناصر الصد والممانعة ما ينجيها من يوم الحساب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى