ادب المقاومة اللبانية حفظ تاريخ مجد الوطن والأمة

د- طارق عبود أستاذ في الجامعة اللبنانية
انتقل النتاج الأدبي المقاوم الى مرحلة جديدة مع خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان، وانطلاق مرحلة المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي، وبزوغ أسماء جديدة ولامعة في هذا المضمار. ترافق ذلك مع انتقال الغلبة في نوع النص، من الشعر، الى السرد، الذي أسس له الكاتب غسان كنفاني، مع توجّه واضح نحو النوع الأخير، تماشيًا مع التبدّل الحاصل في المزاج الكتابي في العقود الأخيرة نحو السرد والرواية، مع ما يتيحه السرد من حرية ملحوظة، تسمح للكاتب أن يطل على المسرح برؤية شاملة لسرد الأحداث الواقعية أو التخيّلية لموضوعة المقاومة.
تميّزت هذه الأعمال بالقفز فوق تقديس الشخصية المقاومة في النص وإحاطتها بهالة أسطورية، كما قال أدونيس عن النصوص التي كُتبت في مراحل سابقة، بأنها كانت مُشبعة بروح المبالغة، وانتقلت بها نحو الواقعية، بحيث نُزعتْ عن الشخصية صفة الأسطورة والغلو، وتحولت معها الى إنسان عادي يحبُّ ويكره، ويخطئ ويصيب، وينجح ويخفق، ويخاف ويُقْدِمُ، ويحزن ويفرح.
من خلال هذه الإشكالية، شغل النص الملتزم مساحة نقاش في الميدان الثقافي اللبناني والعربي، وسال حبرٌ كثير في الحديث عن هذا الموضوع، في الندوات والمقالات وغيرها، من أجل الإطلالة عليه ومقاربتِه. ولعل بعض النقاش قارب انطلاقةَ أدبِ المقاومة وتاريخَ نشأته والظروفَ التي ساعدت على تشكّله، ولكن الذي يعنينا في هذا المقام، ألا يُهملَ هذا الأدب، وألا نزهدَ في الإضاءة على ظاهرة مشعّة وسط هذه العتمة الممتدة من المحيط الى الخليج، ولا سيّما الكلام عن فترة الاحتلال الإسرائيلي. عن تلك الأيام التي امتزج فيها القهرُ والألمُ والجراحاتُ والموتُ والتهجيرُ والدمارُ؛ بالفرح، ذلك الفرح المنبعث مع كل عبوة تنفجر بدورية للمحتل، فيحمل صوتُها البسمةَ والبهجةَ التي كانت ترتسم لوحةً على الوجوه المقهورة، وعزةً تتشكّل يومًا بعد يومٍ في العيون الحالمة والمنتظرة بشوقٍ مواسمَ الحريةِ والفخرِ والانتصارِ.
لذا كان واجبًا على كل من يحمل قلمًا أن يسهم في حفظ أيام المجد التي عاشها الوطن والأمة. وهذا ما فعله عددٌ من الكتّاب، وعلى رأسهم الكاتب غسان كنفاني، والدكتور عبد المجيد زراقط، والدكتور علي حجازي، والدكتورة فاتن المر، والدكتور إبراهيم فضل الله، والروائي حسن حميد، وغيرهم ممن أسهم في تأريخ مرحلة مجيدة من أيام أمتنا العربية والإسلامية.
لذا كان واجبًا على كل من يحمل قلمًا أن يسهم في حفظ تاريخ وأيام المجد التي عاشها الوطن والأمة. وهذا ما فعله عددٌ من الكتّاب المذكورون أعلاه وغيرهم ممن أسهم في تأريخ مرحلة مجيدة من أيام أمتنا. وشغلت أعمال بعضهم مساحة مميّزة في الأدب الذي يعمل على تشييد الذاكرة والوعي، وتذكير الأجيال التي لم تحظَ بمعايشة فترة الحرب الأهلية والاحتلال، والإضاءة على شبابٍ أسُودٍ آمنوا بربّهم وبوطنهم وبقدراتهم، وفتياتٍ شامخاتٍ، وأمهاتٍ مضحيات، ورجالٍ شوامخ كالجبال، شكّلوا هذه المشهديةً الرائعة. ترافق ذلك مع كل الظلم الذي لحق بالمقاومة، بأطيافها كافة، على المستوى الإعلامي، والثقافي والسياسي.
إنّ كل عمل أدبيّ لا يقل قيمةً ولا أهميةً ولا شجاعة عن عمل مقاوم سهر الليالي الباردة، ليزرعَ عبوة تحيل المحتل أشلاءً. لأننا إذا لم نؤرخ لهذا التاريخ المجيد، نضع رقابَنا ومستقبلَ أوطاننا وأبنائنا تحت مقصلة من يريد أن تحيا الأمةُ من دون تاريخ، لتبقى الحجةُ والشعارُ أنّ العين لا تستطيع أن تقاوم مخرز الصهاينة ومجتمع الدول الظالمة، وغيره.



