التصحر الثقافي في منطقة الخليج

الكاتب الكويتي أ.د. عبدالمالك خلف التميمي
تتأثر الثقافة بالواقع ونتاج قيم وسلوك وأساليب حياة الإنسان والجماعة والمجتمع. وفي مجتمعاتنا الخليجية حدث التفاعل الثقافي العربي عبر عقود من الزمان، كما وفدت إلى المنطقة ثقافات أخرى مع المهاجرين ولها مشكلاتها التي لا مجال لطرحها هنا. فالثقافة إنتاج ذهنياً لمتميزين في المجتمع، ويجب أن يكون المثقف فاعلاً وناقداً للواقع، ولديه رؤية واضحة لقضايا المجتمع وإشكالياته في الحاضر، تمتد للمستقبل. وكثيرون الذين يدّعون بأنهم مثقفون لأنهم تعلموا أو كتبوا، ولكن ماذا تعلموا أو كتبوا؟ فهذا أمر آخر، وهم في حقيقة الأمر ليسوا مثقفين حقيقيين. هناك معايير واضحة لكون الإنسان مثقفاً، لكن مرحلة التصحر الثقافي تسمح للطارئين على الثقافة بأن يدعوا الثقافة وهم غير مثقفين.
كيف ننظر إلى الثقافة والمثقفين في ضوء ما سبق ونطبق ذلك على واقعنا في منطقة الخليج والوطن العربي؟ سنركز في هذه المقالة على التراجع الثقافي وأسبابه في منطقة الخليج العربي والذي ترتب عليه تصحر ثقافي.
تشهد منطقتنا والعالم العربي منذ عقود مداً استهلاكياً وضعفاً علمياً، وفساداً إدارياَ ومالياً لم تشهده دولها من قبل. إن المجتمعات عادة تخرج من التخلف إلى التطور، خاصة في تاريخنا الحديث والمعاصر، وتختلف درجات التطور في هذه المجتمعات، لكن ما حدث ويحدث هو النكوص والتراجع عن مستوى مكتسبات ثقافية تحققت، وتحولات نوعية في التعليم وغيره يمكن ان تكون بداية لنهضة حقيقية في هذه الدول، والسؤال هنا هو: ما هي أسباب التراجع الثقافي في مجتمعاتنا خلال الماضي القريب والحاضر الذي نعيشه؟
ورداً على سؤال أسباب التراجع الثقافي في منطقتنا، يمكن إجمالها بالآتي:
1-تحول في الحياة الاقتصادية إلى الحياة الاستهلاكية وانعكاس ذلك عل الثقافة والمثقفين.
2-ضعف وتردي التعليم، والتعليم أساس التقدم عندما يكون نوعياً ومرتبطاً بالثقافة، حيث يشهد التعليم ضعفاً خطيراً في دولنا.
3-وجود ثقافة تقليدية نمطية مغلقة بسيادة وسيطرة تيار ديني وهيمنته على كل مناحي الحياة ومحاربته للثقافة الجادة، واستمر ذلك لفترة طويلة منذ الثمانينات من القرن العشرين.
4-عدم توفر مناخ الحرية والديمقراطية الحقيقية في بلداننا، مما أدى إلى انحسار ثقافي والى محاربة وتهميش المثقفين الحقيقيين.
5-أزمة المثقفين في واقعنا وعدم قدرتهم على اختراق حصار الثقافة وتراجع نقدهم لسلبيات الواقع، ونتيجة لذلك ظهر على السطح أدعياء الثقافة وهمش وقزم المثقفون الحقيقيون.
هذه برأينا أهم أسباب التراجع الثقافي في بلداننا، ومن المؤكد ان هناك أسباباً أخرى. وإذا أردنا أن نضع حداً للتصحر الثقافي، علينا أن نواجه سلبيات ومعوقات الثقافة ونعالج أسباب ذلك التراجع التي ذكرنا أهمها.



