ثقافة المقاومة في مواجهة الهيمنة والاحتلال

إبراهيم غرايبة
إن الرؤية الغربية الحديثة رؤية صراعية كما يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري ، بمعنى أنه لا بد أن يكون هناك عدو يصنع حالة من الصراع والاستنفار لمصالح السلاح ولتمرير الميزانيات الضخمة للدفاع، ولك أن تعرف أن ميزانية الدفاع في أميركا 500 مليار دولار وهي أكبر من ميزانيات الدفاع في العالم أجمع. وهذا الصراع كان موجهًا في السابق إلى الاتحاد السوفياتي وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي حل الإسلام في خانة العدو، والغرب لا يحارب الإسلام المهادن التابع، بل يحارب الإسلام المقاوم الذي يدافع عن أرضه ويشوّه صورته ويضعه في موضع الشيطان ويصفه بالشر!
إن الاحتلال في حقيقته وجوهره هو عملية ثقافية، فالمعرفة هي جوهر السلطة، والاحتلال باعتباره سلطة هو في الأساس عملية ثقافية ومعرفية أكثر مما هي عسكرية، وقد ارتبطت بالاحتلال والاستعمار الحديث علوم ومعارف وثقافات تطورت مصاحبة له، وكان للاحتلال بأشكاله وصيغة المختلفة المباشرة وغير المباشرة أدواته المعرفية والثقافية.ومن ثم فإن مقاومة الاحتلال والهيمنة هي في الأساس عملية ثقافية مضادة، تسعى لتشكيل ثقافة بديلة، لأن الهزيمة ليست عملية عسكرية أساسا، ولكنها قبول المغلوب بالهزيمة، ولذلك يقال دائما إن المغلوب لا الغالب هو الذي يحدد نهاية المعركة.
وبالطبع فإنه حين يكون احتلال فلا بد من وجود مقاومة، وحين يكون ثمة ثقافة احتلال مصاحبة فلا بد من وجود ثقافة مقاومة، وهي ثقافة راسخة وحاضرة دائما في التراث والتجارب العربية والإسلامية، وقد رافقت عمليات النهضة والمقاومة ثقافة مقاومة أدت في معظم الحالات إلى غلبة الاحتلال ودحره.
وربما كان من أهم أدوات ثقافة الاحتلال تشكيل ثقافة ملتبسة يمكن تمريرها وتمتلك جاذبية ومصداقية، ومنها ما سمي ثقافة السلام وتمرير الهيمنة والتبعية مع الديمقراطية، ولكن الخلل في عملية التسوية أدى إلى هزيمة ثقافة السلام. فلم تنجح الاتفاقات الموقعة باعتراف أصحابها ومؤيديها في تحقيق أهدافها المفترضة بل إنها زادت الحالة سوءا، وفي الوقت نفسه تصاعدت عمليات مقاومة الاحتلال في فلسطين ولبنان والعراق.
لكن حالة الهزيمة والانكسار القائمة في النفس العربية فرضت محاولات لطرح برامج أخرى، ولم تستثمر إنجازات المقاومة في برامج ومشروعات ثقافية كافية، وأتيح المجال للنخب الجديدة المعزولة عن اتجاهات المجتمعات ونبضها، لقيادة وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني. ورغم أن هذه النخب فشلت في نشر ثقافة سلام جديدة فإنها تحولت إلى مراكز قوى ومصالح اقتصادية ارتبط مصيرها ومكاسبها بعلاقاتها مع المشروعات الغربية.
ولذلك فإن خطة العمل الثقافي الحقيقية قائمة على تكريس الهيمنة بإنشاء طبقات جديدة تفرض على الشعوب والمجتمعات العربية، والمضمون الثقافي لهذه الخطط والمؤسسات ليس قائما على السلام والديمقراطية والتحديث كما يظن للوهلة الأولى، بل على المشاركة في الاقتصاد العالمي والانخراط في مكافحة الإرهاب كعنوان للصراع مع الإسلام والمسلمين، ولأجل ذلك يجب أن يكون ثمة إرهاب يبرر الوجود العسكري الأجنبي وغياب الديمقراطية والتنمية.
ومن هنا فإن مقاومة ثقافة الاحتلال ستكون على نحو ما مقاومة للتقدم والعدالة والحريات، ولكنها ديمقراطيات لا تتيح لغير النخب المفروضة والتابعة الوصول إلى مواقع التأثير والنفوذ، وبناء مؤسسات أكاديمية وثقافية وعلمية لا يملك غير أعضاء الطبقة الجديدة الوصول إليها، وإغراق ثقافي وإغداق مادي وأدبي وجوائز وإغواء إعلامي وأضواء تقدم لفئة من النخب التابعة، وحرمان وتجاهل ومطاردة وتصفية للآخرين.
وهنا ستكون ثقافة المقاومة في مأزق، فيفترض أنها تطالب بالديمقراطية والتقدم والتنمية، وهي في الوقت نفسه تجد أنها ملزمة بمواجهة الاحتلال والاستلاب والهيمنة التي تمرر عبر هذه المشروعات والبرامج، وهنا يجب أن تأخذ ثقافة المقاومة أوضاعا جديدة، وتخوض في جبهات مختلفة ولا تستدرج لتتحول إلى مواجهة التقدم والحداثة.



