طائر القشلة رواية تؤرخ فوضى الاحتلال الأمريكي للعراق

احمد عواد الخزاعي
تبدأ رواية طائر القشلة لشاكر نوري وفقا لتقنيات الارتداد والاستذكار والاسترجاع الداخلي حسب تصنيف جيرار جينت، حين تقوم (أصيل) حبيبة البطل غدير باستذكار الماضي واستحضاره من بؤرة الحدث المركزي وهو المسرح الذي كانت تمثل على خشبته مع غدير قبل أربعين سنة خلت، ثم تنطلق الرواية وفق نسق حكائي ثابت متعدد الأصوات (بوليفونية) اعتمد السارد الضمني وهي أصيل التي عاشت الحدث وتفاعلت مع وقائعه ومعطياته الحسية والمادية، ومجموعة من الساردين الضمنيين الثانويين الذين مثلوا مجموعة الأصدقاء، إضافة إلى صوت البطل غدير، وهذه من السمات المهمة التي يتمتع بها أدب شاكر نوري الذي غالبا ما يلجأ لهذا الأسلوب السردي في رسم الأطر العامة لنصوصه الروائية، عبر زج مجموعة من الأبطال الثانويين الذين يأخذون دور البطل الظل في نصه بطريقة تكاملية لتعضيد فكرته، كما في رواية خاتون بغداد، حيث يعمد على اختيار هذه الشخصيات بدقة ويرسم ملامحها من خلال ما تطرح من أفكار ورؤى وتصورات عن واقعها المعاش، وبذلك يجعل نصه يسير باتجاه واحد نحو أفق مشترك بعملية تبئير يشترك الجميع فيها بغياب تام ( للضد).
طائر القشلة رواية سلطت الضوء على حقبة مهمة من تاريخ العراق المعاصر، وما نتج عن الاحتلال الأمريكي له من فوضى أدت إلى ظهور أنماط حياتية غريبة عن طبائع مجتمعه وأعرافه وقيمه وبالأخص البغدادي منه، غدير الشاب الجميل المثقف المسرحي المتحرر من قيود محيطه أراد أن يختط لنفسه نمطا حياتيا مخالفا للمألوف، ، فأدى ذلك إلى مقتله، وبذلك أراد الكاتب من خلال هذه الشخصية الجدلية أن يعيد صياغة المفاهيم الأزلية العامة وإسقاطها على ارض الواقع مرة أخرى ( الحب، الخير، الجمال، الفضيلة، السلام) متخذا من غدير نافذة للإطلالة على واقع مأساوي قد بالغ بعض الشيء في تصويره عبر وقائع جانبية مُتخيلة أطرت الحدث الرئيسي وهو مقتله، غير انه لم يوفق في خلق تعاطف مطلق مع تلك الشخصية، لان الكاتب حين يقوم برسم الملامح الرئيسية لشخصية (البطل الضحية) يجب عليه أولا مراعاة الأعراف والتقاليد والمزاج العام للمجتمع المتلقي للنص، الذي احتضن تلك الشخصية، وإحداث موائمة بين سلوكه وحراكه داخل النص وبين المزاج العام للجمهور القارئ، حيث ظهر لنا غدير كمتلقين بأنه شاب جميل مثقف فقير ماديا يمتلك وعيا آنيا مسؤولا ملتزما اتجاه وطنه وشعبه وفنه، وهذه صفات ومواقف جميلة وإنسانية لا يختلف عليها اثنان في أي مجتمع أنساني، معطيا صفة البطل الضحية في مجتمعاتنا، التي دأبت الميثولوجيا العربية فيها على إكساب البطل الضحية كل الفضائل والصفات النبيلة (شجاعة، عفة، شرف، مروءة) كي تكتسب شهرتها وخلودها في الذاكرة الجمعية العربية.



