لص العظام
حسين هيثم
حسنا، لقد كان ذلك القبر مثاليا بالنسبة لي لأقوم بحفره. فقد كان واقعا في نهاية مقبرة القرية الصغيرة، حيث تواريخ الأموات تعود إلى سنين طويلة، سنين تبدو كأنها توقفت عند شواهد هذه القبور التي تآكلتْ بسبب العوامل الجويّة، ونمَتْ بجانبها النباتات الطبيعية التي امتدت للأرض عميقا، لتلامس عظام الموتى الباردة. كان اسم الميّت على شاهد القبر هو (روتشيل أوريلي 1722 ـ 1822). لقد مات هذا الوغد عن عمر يناهز المئة سنة، آآآه كم تستثيرني عظام هذا العمر كثيرا. حسنا حسنا، كفى كلاما ولنبدأ العمل بسرعة. أزلت في البداية الاعشاب النابتة على القبر، ثمّ جلبت الفأس وقمت بتحطيم الشاهد، وبدأت عملية الحفر اللعينة تلك، حيث حفرت وحفرت في تلك التربة الطينية الثقيلة، وكنت كلما أُزيد من عمق الحفرة أتوقع ايجاد عظام ديناصور بدلا من عظام هذا الروتشيل أوريلي. بعد نصف ساعة من الحفر المتعب للظهر، وجدت اخيرا تلك العظام التي ابتغيتها، مع ابتسامة من فمي المملوء بالزَبد على طرفيه. أمسكت العظام، وكانت باردة بشكل لذيذ، وتفوح منها رائحة تشبه لحدّ كبير رائحة الفُشار، أمّا الجمجمة، فيا الهي! كانتْ الاسنان بيضاء تماما، لكن هذا اللعين لم يكن يحافظ على صحة اسنانه، فقد ترك لي احّد عشر سنّا لا أكثر. مع ذلك، قمت بفتح كيس القماش الذي معي وتجميع العظام التي ترقد في القبر. عندما انتهيت، وتحت الآثار التي بقيّت في الحفرة بسبب مكان العظام، كان هنالك شيء يلمع تحت. قمت برميّ كيس العظام خارج القبر، وجلست لأقوم باكتشاف سبب هذا اللمعان الغريب، لم يستغرق الأمر منّي جهدا كبيرا، فقد كان هناك تحت آثار العظام مباشرة صندوق خشبيّ صغير. أزلت عنه الطين، وكان بدون قفل، لذا فتحته، ووجدت بداخله مزهرية أسطوانية حمراء مغلقة بإحكام، ورسالة. فتحت الرسالة، وبدأت القراءة (عزيزي اللص الحيّ، أنا السيّد روتشيل أوريلي، صاحب هذا القبر اللعين الذي تجلس فيه الآن، أحبّ قبل شعورك بالفزع أن أقول «تبا لك»، لأنك خرّبت عليّ عشاءاً لذيذا مع أصدقائي الهياكل عظميين. لكن، يمكنني مسامحتك قليلا لأنني قمت بالضحك عليك بوضعي هيكلا عظميّا ليس لي، وحشر هيكلي في هذه المزهرية الرائعة والدافئة، يمكنك شتميْ كما تحبّ، كما أنا اشتمك الآن، لكنك لن تنال منّي أبدا). عندما انتهيت من قراءة الرسالة، أوأل شيء فعلته هو النهوض وحمل المزهرية، التي صدمتُ بوزنها الثقيل. خرجت من القبر، وفور وقوفي فوق الارض مجددا، قمت برميّ المزهرية على شاهد قبر آخر، ثلاث مرّات متتالية، حتى أنكسر بعضا من المزهرية، ليخرج منها شيئا يشبه البخار، لكنه أكثف جدا منه. ويتجه نحو العظام التي في الكيس، كان المنظر مدهشا بحقّ، إذ تسللّتْ تلك السحابة الكثيفة إلى الكيس وبدأت بالامتزاج مع العظام، لتعطي الحياة إلى تلك الاعواد العظمية المقززة. لا أعلم كيف أصف الأمر بدقّة، لكن بعد دقيقة لا أكثر كان السيّد روتشيل أوريلي يقف أمامي، أو عظام السيّد روتشيل أوريلي. بادرت بالكلام قائلا لحفنة العظام تلك (تبدو بمظهر مزري يا سيد عظمة، هل بعت ملابسك في بقالة المقبرة)؟! لكن تلك العظام كانت لا تستسيغ السخرية، بل العِراك. فقامت بالقبض على حنجرتي بقوّة، وطرحي على الأرض، فتقلّبت وأنا مخنوق الأنفاس ووجهي أحمر اللون، ورجليّ ترفس بكل أتجاه. كانتْ تلك القبضة قويّة لدرجة لا تصّدق، حتى أنني شعرت بأنّ الموت قادم إليّ. زال عنّي الشعور، وبدأت أرى بأنني ميّت لا محالة، بأنني أرى..
ـ ـ
قام السيّد روتشيل أوريلي ـ أو عظام السيّد روتشيل أوريلي ـ بقتل لصّ العظام، ورمي جثته في القبر المحفور مع الصندوق والرسالة والمزهرية المكسورة والكيس الفارغ، واغلاق القبر، بعد قراءة بعضا من الآيات على قبر السارِق، قال السيّد روتشيل أوريلي (والآن، أيّها اللعين، مَن الميّت)؟!



