المعصوم مبدأ إفاضة العلوم والخيرات
السيد محمّد حسين الحسيني الطهراني رحمه الله
يعلم الإمامُ المفترَض الطاعة من قِبل الله تعالى، جميع الأمور التي يحتاجها العباد في معاشهم أو معادهم، وهو يهدي النفوس إلى الحقّ من ملكوتها، ويوصلها إلى كمالها. وهذه الخاصيّة تتّضح من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا..﴾. (الأنبياء:73)وحيث إن فِعل الإمام عليه السلام هو عينُ وحي الله، فكما أنّ ما يحتاجه العباد ليس خافياً على الله، فإنّه لن يكون خافياً على الإمام، الذي هو المجلّي الأتمّ و المجري الكامل لإفاضات الحضرة الأحديّة على الموجودات..ويطّلعُ الإمام، إذاً، على جميع أعمال عباد الله وأقوالهم وسيرتهم وملَكاتهم، وليس هناك علمٌ غائب أو خافٍ عن نظره، وقد بيّنت الأبحاث هذا المعنى استناداً إلى الآيات القرآنيّة. فالإمام عليه السلام، له سيطرة على نفوس الموجودات وملكوتها. وعليه، فإنّ جميع الأرواح والنفوس -وأيضاً روح الأعمال- ستكون في محضر الإمام عليه السلام، وبمشهدٍ منه، كما أنّ موجودات عالم الطبيعة مشهودة عند الشخص البصير وغائبة عند الأعمى..وإنّ مبدأ إفاضة العلم هو قلب الإمام عليه السلام، الذي يفيض بوساطة السيطرة على ملكوت الموجودات- على كلّ موجودٍ بقدر قابليّته واستعداده: ﴿وَجَعَلْنَـاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا..﴾والهداية بأمر الله هي هداية أفراد البشر عن طريق ملكوتهم ونفوسهم. ولذا يجب أنْ يكون في العالم وعلى الدوام إمامٌ حيّ، وقد استفدنا هذا المعنى من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَـامِهِمْ..﴾. (الإسراء:71)، لأنّ الله سبحانه وتعالى يدعو جميع أفراد بني آدم إلى الحشر يوم القيامة بإمامهم، فلا يوجد فردٌ من البشر إلّا وله إمام، فلا يمكن أن تخلو الأرض من حجّة الله أبداً. وهذا أمر مسلّم وأكيد، ويقرّه الإسلام الذي يعرّف الإمام بأنّه المحيط بالملكوت، والمعصوم عن الخطايا والمعاصي..ويقول أمير المؤمنين عليه السلام: «اللَهُمَّ بَلَى، لاَ تَخْلُو الاَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لله بِحُجَّةٍ، إمّا ظَاهِراً مَشْهُوراً، أَوْ خَائِفاً مَغْمُوراً، لِئلاّ تَبْطُلَ حُجَجُ اللهِ وَ بَيِّنَاتُهُ..»..وأمّا من طرق المسلمين السنّة؛ فمنه الحديث المشهور المتّفق على روايته عن النبيّ: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَعْرِفْ إمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»وأخرج ابن مردويه عن عليّ عليه السلام: «قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ..﴾، قال: يُدعى كُلُّ قَوْمٍ بِإمامِ زَمانِهِمْ وَكِتابِ رَبِّهِمْ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ»..فالموضوع الآخر، هو التسليم والخضوع والاتّباع للإمام عليه السلام، الذي يُعدّ القلوب لتلقّي المعارف والعلوم، والتحلّي بالأخلاق الفاضلة، ولن يتمّ ذلك -أي تلقّي العلوم والتحلّي بالأخلاق- إلا بالتسليم والخضوع التامّ أمام معلّم البشريّة ومبدأ التعليم والتربية، أي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ومن بعده أوصياؤه، سواء كان الوصيّ عليه السلام حاضراً أم غائباً، لأنّ تأثير الأرواح وتأثّرها غير محكوم بالحضور الشهوديّ، فالروح ليست مادّة ليُشترط لتأثيرها في مادّة أخرى القُربُ المكاني والتّماسّ الخارجي، بل هو تأثير فِعلية النفس الفعّالة في قابليّات النفوس المستعدّة..ولأنّ عالم الملكوت خارج عن الزمان والمكان، لذا يمكن أنْ نجد تأثير فِعلية الآثار الحياتيّة للإمام عليه السلام في كلّ قلب، فإنْ كان الإمام في مشرق العالم وكان تابعه في المغرب، فإنّ قلب التابع، على الرغم من ذلك، سيحصل على الفائدة وينتفع به عليه السلام. فإذا ما وُجدت تجليّات الإمام عليه السلام في قلب المؤمن، أينما كان ذلك المؤمن، فانّه سوف يستمدّ ماء الحياة من ذلك المعدن اللامتناهي إثر انعكاس الصورة الحقّة..وإنّ المعارف والعلوم الإلهيّة تجري في قلوب أتباع الإمام إثر اتّصال قلوبهم بقلبه، وهذا الأمر غير متيسّر لغير المعتقد بالإمامة. يقول ابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة) بعد أنْ يذكر قدراً من صفات أمير المؤمنين عليه السلام: «وَقَدْ بَقِيَ هَذا الخُلُقُ مُتَوارَثاً مُتَنَاقَلاً فِي مُحِبّيهِ وَأوليائِهِ إلى الآن، كما بَقِيَ الجَفَاءُ والخُشونَةُ والوُعُورَةُ فِي الجَانبِ الآخرِ، ومَن لَهُ أَدْنى مَعرفَةٌ بِأخلاقِ النَّاسِ وعَوَائِدِهِمْ يَعْرفُ ذَلكَ».



