المنفى والحضور الثقافي في كتاب «نجوم المسرح العالمي» للفنان التشكيلي المغترب سعد السعدون

قراءة: عبد الكريم عيسى
تنوعت موضوعات هذا الكتاب على قراءات بحثية نقدية في المسرح والسينما والفن التشكيلي والتي هي بعض من المقالات التي أنتجها الكاتب سعد السعدون في منفاه في الولايات المتحدة الأمريكية. و سجّل من خلالها حضورا ثقافيا تواصليا واعيا في إدامة الحضور الإبداعي للجالية العراقية و العربية هناك ، متفاعلا و متحاورا مع نشاطاتها الثقافية والفنية.وفي الوقت الذي يرتكز فيه المؤلف (سعد السعدون) في هذه الأوراق البحثية ـ النقدية على استثمار خزينه المعلوماتي المتنوع بمديات متفاوتة من القراءة المنتجة، وبآليات دينامية في فعلها التواصلي. كما يحاول أيضا ان يسلط عليها ما يحمله من رؤى و أفكار ذاتية، تتجسد من خلالها آنية حضوره العضوي المنتج وأثره في تحريك الثوابت والمتحولات للبيئة السوسيو ـ ثقافية للجالية العراقية والعربية في المهجر الأوروبي والأمريكي على وجه الخصوص، حيث عاش مغتربا في منفاه الأمريكي لمدة ربع قرن. وقد جعل من فضاء الغربة والاغتراب عاملا تحفيزيا لتأكيد حضوره وإثبات ذاته. فشرع يفسح المجال لذاته كفرد مبدع يمازج بين الفكر والنقد والأدب والسينما والمسرح والفن التشكيلي، متدخلا وليس متفرجا في التعبير عن مكنوناته ومديات انفعاله بها. يتقصى بمرونة وبساطة معمقة تجليات الإبداع المتنوعة في شتى المصادر. بانسيابية عالية في البحث والكشف التفاعلي للمضمرات النسقية الثقافية للسير الشخصية والمنجزات الإبداعية التي يتصدى لها ويحاورها لينتج منها أوراقه النقدية، وما تحمله من مديات عالية في فعلها التواصلي ـ الشعبي الجماهيري ـ والنخبوي، اذ تتوفر على مديات متنوعة معرفيا و ذوقيا و جماليا، وإن تفاوتت في أدائها الفني من موضع الى آخر على عناصر الادهاش ومتعة القراءة المنتجة.
ولحضور فاعلية ذوقه الإبداعي في الانتقاء لموضوعاته الأدبية والفنية دور مؤثر في انثيال المشاعر والأحاسيس بأنساق عالية من أنسنة الفكر والثقافة. ويحقق قفزات نوعية فوق متعاليات الظواهر المجتمية ويتعاضد مع ما هو جميل في انتاج السمات الجمالية، ورصد الجانب التاريخي لأفكار الانسان ضمن إطار الظروف التي تمنحها اشكالياتها. ويلامس سمات عصر العمل الإبداعي الثقافية والايديولوجية. فعندما يتصدى لعرض سيرة المبدعين في أوراقه، يلفت الانتباه الى ما ينتاب السيرة من محطات بارزة ومتعاليات معيارية، مستثمرا الوشائج التي تجمعه كناقد بمنتج الأعمال الفنية وتجنيد المعلومات في خدمة المداخلة النقدية. وحينما يراكم تصوراته، يحاول ان يتعرض الى ذات المبدع بآليات مرنة من الاستقراء النقدي في التحليل لمزايا وغوامض العمل الإبداعي وكشف منظومة المعاني الخفية للأعمال الإبداعية. اذ يتقصى ايقوناتها ورموزها واشاراتها، ويبحث في علاماتها وارتباطاتها الجدلية مع بعضها في انتاج المعنى وتكوين السياقات المتنوعة. ذلك يجعله يتوصل الى ماهية المنتج واستخلاص سماته الجمالية. ويسعى الى اضاءة سياقات المنجزات الإبداعية وتآلف مرجعياتها العلاماتية ومحاور تمفصلاتها.ومن بين سمات العملية البحثية ـ النقدية للناقد سعد السعدون هي اهتمامه العالي بالمتلقي كواحد من العوامل البارزة في العملية الإبداعية. فيحاول الاشتغال في منطقة تبني المعنى التأويلي المقترن بهوية المتلقي الاستقبالية، منطلقا من قواعد تأويلية مشتركة خفية، والتوظيف التزامني للبنية المفتوحة على الثقافة والتفاعل معها، فضلا عن محاولاته الموفقة في رصد انساق النص الثقافية وهو يناور بمهارة بين البنية الأدبية والفنية المنغلقة والبنية المفتوحة على ثقافتها والمتفاعلة معها في مديات الاستجابة والتلقي. اشتمل الكتاب على مقدمة نقدية للناقد (علي دنيف حسين) بعنوان (ما اجمل العاصفة!!)، اكد فيها ان الناقد السعدون يستمد حياته من الحياة النابضة بالخبز والأشعار.. بين ارصفة المقاهي والمنافي ببصيرة نافذة ترى ولادة الفجر. وبعد ذلك، تليها (16) ورقة نقدية للكاتب السعدون (مسرح دان براون) التي يشير فيها الى ان صفة المسرح لديه هي محاكاة الواقع بروح الجماعة، و(مسرح ستروفسكي) وما له من أهمية في الحياة الثقافية والاجتماعية في روسيا، و(مسرح لوركا) لافتا فيها الانتباه الى لغة لوركا الثرية المكثفة بالمعاني والرموز. ثم جاءت ورقة بعنوان (السينما الهندية)، وتلتها (مسرح شكسبير)، حيث ركز فيها على ثيمات رئيسة وما تفيض به أعماله من فن اصيل نابع من الضمير الإنساني والغائر في الجوانب الروحية ودورها في تطوير البشرية والنهوض بالإنسان الى مستوى الرقي والحضارة، ثم (نفحات في الفن التشكيلي العراقي في المهجر) وفيما بعد (تحديات المثقف العراقي إزاء محاولات التغييب المنظمة) والتي يدعو فيها المثقف العضوي المنتج المثقفين المغتربين كافة الى كسر العزلة والنهوض بمستوى المسؤولية الملقاة على كواهلهم. وتلتها ورقة بعنوان (تجليات الخيال) التي يسلط فيها الضوء على جماليات اللوحة الفنية للفنان العراقي التشكيلي المغترب (وليام شليمون) وما تحمله لوحاته من تقنيات عالية ورموز ودلالات. وبعدها ورقة بعنوان (الفنان الراحل فائق حسن سجل فني) الذي عدّه الكاتب خير سفير لبلده الجريح، و(دهشة الفنان التشكيلي) التي أوجز فيها تطور الحركة الفنية التشكيلية العراقية في المهجر، و(السينما الامريكية بين ملامح العولمة و أرث الأيام الخوالي) و(نظرة في السينما الامريكية) و(فنان على ورق/ قائد النعماني) وما له من حضور ابداعي متميز، ولا سيما في المهجر الأمريكي، و(في تجربة الفنان صباح الانباري مخاضات التعبير في الزمن الصعب و(حرم سعادة الوزير) سوداء تعكس جوانب من واقعنا المرير)، والتي يلفت فيها الانتباه الى أهمية ثقافة المرأة وانعكاساتها الاجتماعية، وتناولت الورقة الاخيرة حوارا ممتعا و ثقافيا واعيا أجراه الشاعر الراحل (عبد جبر الشنان) مع الفنان والناقد المغترب، مؤلف الكتاب، سعد السعدون مسلطاً الضوء فيه على تجربة السعدون التشكيلية وتجليات الفن التشكيلي في المهجر الأوروبي والأمريكي للمبدعين العراقيين والحراك الثقافي للجالية العراقية.



