النسخة الرقميةثقافية

أبو نواس.. الشاعر العراقي المفترى عليه

فوزي فارس جرص

يخبرنا الرواة ـ وما آفة الأخبار الا رواتها ـ ان أبا نواس رفع راية الحياة بما فيها من طرب وضرب للعود وعيش مشترك، وشعاره هو:
إذا ما ضـربوا الطبــل
َ ضربنـا نحـن عِـيـدانَـا
فهذي الحربُ لا حـربٌ
تغـمّ الــنّـاسَ عــدوانَـا
فـعادَتْ حـرْبُـنَــا أُنْـسـاً
وعُدنَا نحن خُلاّنا
كان أبو نواس يرفض العنف في حل النزاعات، ويرفض التعصب بكل انواعه، وهو معذور لشعوره بالغربة والاغتراب وسط قوم لا هم لهم سوى التفاخر بالانساب وبمنزلتهم الاجتماعية، وهو كالمفكر الفرنسي «جان جينيه» لا حسب ولا نسب. ولذلك شعر بالدونية، لذا فضل معاشرة الأعاجم، حيث قال:
وَبَنو الأَعاجِمِ لا أُحاذِرُ مِنهُمُ
شَرّاً فَمَنطِقُ شُربِهِم مَذمومُ
لا يَبذَخونَ عَلى النَديمِ إِذا اِنتَشَوا
وَلَهُم إِذا العَرَبُ اِعتَدَت تَسليمُ
وهذه المعاشرة لا تعني كراهية ابي نواس لوطنه، لان حب العراق عنده لا يضاهيه حب آخر، حيث قال:
كَفَى حَزَناً أنّي بفُسطاطَ نازِحُ
ولي نحو أكْنافِ العِراقِ حَنينُ
هذه الوطنية الصادقة نطق بها وجسدها الحسن بن هانئ (ابو نواس) لا غيره، وعشق لبغداد بكرخها ورصافتها لا يضاهى. تقديسه لأجواء الحرية الشخصية والتسامح الاجتماعي في مرابع بغداد حيث يتهادن هذا العشق لبغداد:
وقائل: هل تريد الحج؟
قلت: نعم، اذا فنيت لذات بغداد
أما البصرة البيضاء فيكنُّ لها حباً عارماً ويقدّر طيبة أهلها ونقاء سريرتهم:
لا إستخف صداقة البصري
و عدمت عن ظرفائها صبري
وللكوفة عند ابي نواس مكانة خاصة، فهو يطري على ثقافتها وظرافة اهلها. وحبه الخاص لأهل هيت غربي العراق، يبيح له ان يطارح اهلها ظرافتهم ووداعتهم ودماثة خلقهم، حيث قال:
من اهل هيت سخي الجرم ذي ادب
له اقول مزاحا: هات يا هيتي
ولا ينسى ظرافة الأكراد ومجالسهم الباذخة:
عَتّقَها الكُرْديُّ في مَجلِسٍ بينَ بساتينَ وأجبال
وفي ديوان ابي نواس نراه يؤاخي بين المسلم والمسيحي واليهودي والعربي والأعجمي، ويود ان جميع البشرية كلها في إهاب واحد وتُوفَّر للجميع الكرامة والعيش الرغيد، اذا كانت الافكار والكلمات موجودة على قارعة الطريق، يغترف منها ما يشاء، منذ ان تكونت اللغة واستخدم الانسان عقله يمكن ان تقول المقولة الفطرية الرمادية، لكن شجرة الحياة خضراء يجب ان تنسب الى ابي نواس وليس الى «غوته» وغيره، لتصبح تلك الشجرة اكثر اخضرارا.
نذر ابو نواس نفسه لأنه مثقف يؤمن بالتجديد، مغامر بالثقافة والابداع والحياة، لا يقطع بين الحاضر والماضي، لا يؤمن بالتراث لتحنيطه وتقديسه، انما يبني عليه ويطوعه ليجعل منه سبيلاً لمواجهة متطلبات العصر، محتفظ بآرائه ومواقفه الخاصة المتفردة. واذا شئنا فإنه مثقف شعبوي متواضع الى حد الكسر، وجماهيري الى حد الابتذال، يستمتع بمجالسة رعاع بغداد. لكن شعبويته تكمن خلفها معرفة فلسفية عميقة، حتى ان شيخ المعتزلة «ابراهيم النظام» يقول انه وضع كتاباً في الحركة والسكون استلهم فكرته من بيتين سمعهما من ابي نواس. ويرى ابو نواس نفسه فيلسوفاً وموكلاً بآراء فلسفية فكرية على غرار الفلاسفة، حيث قال:
كيف ترون زجري واعتيافي
ألست من الفلاسفة الكبار؟
وقوله:
لم اشرك يوم الصيد في الفرح
ولا هم شركوني في جوى الفرح
لكن هذا الفيلسوف الكبير لا يملك منظومة فلسفية متكاملة واضحة محددة، انها رؤى تصل الى حد التناقض في مسألة التفاوت الطبقي، مثلاً: لا يرى ابو نواس ان هذا التفاوت سيزول يوماً، لذلك حب الثروة وجمعها من طبائع البشر، قال:
ألا إنّما الدّنْيا عروُسٌ، وأهْلُهَا
أخو دَعَةٍ فيها، وآخَرُ لاعبُ
وذو ذِلّةٍ فقراً، وآخرُ بالغنى
عزيزٌ، ومكْظوظُ الفؤاد، وساغِبُ
مع ذلك، ابو نواس يحتقر اصحاب الثروات الذين يشحون على الآخرين ويستبعدونهم بثرائهم، قال:
ومُستعبِـدٍ إخـوانَهُ بثـرائـِهِ
لبستُ لـهُ كِـبْـراً، أبـرّ على الكِبـرِ
وايضاً هو ضد اقتصاد السوق والمضاربات التجارية، ويرى ضرورة توزيع الثروة بين الجميع، والمساواة بين الناس بطريقة عادلة ليلحق الفقير بالغني. وابو نواس يدرك جيداً ان هذا من شأن السياسيين ورجال الدولة، وتحتاج الى فعل سياسي.
انه يعي قدراته الذاتية، وانه مثقف خلق للتأمل وليس للفعل، ويكتفي بالتحذير مرة والتلميح مرة اخرى، ويزاوج بين المواقف المسيئة والتمرد الفوضوي السلبي ليعاقب مجتمعاً يتصف بالزيف والنفاق.
اخيراً، ان من غير الإنصاف ان يستمر البعض بعد مرور عدة قرون على انطفاء نيزك ابي نواس في الحط من قدره والاساءة اليه، واذا كانت المخيلة الشعرية معذورة على تصوير ابي نواس بطريقة كاريكاتيرية او اظهاره كمهرج فلا يمكن ان نعذر بعض كبار المثقفين العرب من امثال: طه حسين، عباس محمود العقاد، محمد مندور، وغيرهم، الذين يقدمونه بإجحاف كواحد من الطابور الخامس زرعه الفرس في قلب الحضارة العربية لتهديمها، ومرة أخرى يتهمونه بالطائفية، لأنه يثني على آل بيت الرسول (ص).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى