الجولان السوري المحتل بين القانون الدولي و الاستهتار الأمريكي و الضعف العربي

مزهر جبر الساعدي
مما لا شك فيه ان امريكا تتصرف وتسلك وتقرر بالضد من الارادة الدولية، وهي في هذا لا تقيم أي وزن للقانون الدولي الذي يحكم العلاقات بين دول العالم، إلا اذا اجبرت على الرضوخ للقانون والحق مرغمة. ان امريكا الى الان لا تريد أو ترفض ان تقتنع بان العالم قد تغير وان عالم الامس غير عالم اليوم. بالإضافة الى انها حتى الان لا تريد ان تستسلم الى انها هي الاخرى قد تغيرت ما عادت أمريكا التي تربعت ولعقدين من الزمن على عرش عالم القطب الواحد الذي تسيدت فيه وغزت واحتلت ودمرت الدول وغيرت مصائر الدول والشعوب. امريكا الان التي ترزح تحت ثقل المديونية سواء الدين الداخلي أو الخارجي .. وهي في مواجهة دولتين عظميين وهما روسيا والصين وهي على ما هي عليه من فقدان ثقة العالم بها وتزعزع ثقلها الاعتباري بدرجة ميل كبيرة جدا، إلا الدول التي لم تزل سائرة في فلكها.
سقنا هذه المقدمة المتواضعة كمدخل لتصريح ترامب الاخير والذي اعتبر فيه، ان الوقت حان كي تعترف أمريكا بالسيادة الاسرائيلية على هضبة الجولان السورية المحتلة منذ عام 1967، ليضرب ترامب القانون الدولي، عرض الحائط، القانون الذي لا يعترف بضم اراضي الدول بالقوة المسلحة. في الذي يخص هضبة الجولان السورية وغيرها من الاراضي الفلسطينية والعربية التي احتلتها اسرائيل في عام 1967، قد صدر في ذلك الحين قرار مجلس الامن ذي الرقم 242 الذي طالب الاسرائيليين بالانسحاب من تلك الاراضي. في 1982 صدر قرار من مجلس الامن برقم 497 وكانت حينها، قد وافقت عليه، امريكا؛ رفض ضم اسرائيل لهضبة الجولان السورية المحتلة. اسرائيل استمرت في احتلالها لهضبة الجولان لأكثر من خمسة عقود خلت. وفي هذا يقول وزير خارجية امريكا في محاولة بائسة لتبرير ما صرح به رئيسه: من ان ترامب لم يقل إلا الحقيقة وان الامر بسيط؛ لأن الجولان وكواقع حال هي تحت السيادة الاسرائيلية وهي اي الجولان مهمة لأمن اسرائيل الاستراتيجي. ان هذا التبرير المتهافت ما هو إلا للعب بالكلمات وخداع الناس والاستخفاف بعقولهم. ومن الجهة الثانية وبذات الغباء المتخاتل، قال: ان امريكا دولة خير وإنها نبيلة أو تقوم بأعمال نبيلة وهي ترمي من وراء هذا الاعتراف الامن والاستقرار في دول الشرق الأوسط .. ان امريكا ما كان لها ان تقوم بما قامت به الى الان لولا الخواء والضعف العربيان. جميع دول العالم رفضت وأدانت هذا التصريح بشكل او بآخر، وهذا هو الموقف الدولي الذي يعتد به ويشكل مانعا اعتباريا وليس قانونيا للإجراء الامريكي المرتقب. لكن، هنا وفي هذا الظرف المعقد والخطير على دول المنطقة العربية، نتساءل ما موقف دول المنطقة العربية العملي والإجرائي لمنع هذا الاجراء المرتقب ؟، وبالذات ان للحكام العرب اذا ما أرادوا فعندهم الكثير والكثير جدا من اوراق الضغط.. وهم لا يريدون أو يقدمون على افعال وإجراءات تحد من هذا الاستخفاف بالحق العربي. فالدول العربية لم تقدم على اي اجراء مضاد لأفعال امريكا التي تستهين بالعرب وهنا نعني الحكومات العربية وليس شعوب العرب التي ترزح حتى هذه اللحظة تحت حكومات ثيوقراطية، حكومات الخليج العربي وحكومات عربية اخرى ولو بطريقة حكم مختلفة. ان امريكا لا تعترف ولا تحترم من لا يتصدى لها بجميع ما في حوزته من ارواق ضغط، في المواجهة السياسية والدبلوماسية وكذلك في التجارة والاقتصاد وتغير اتجاه التسليح واللعب على مدخلات ومخرجات مصالح الدول العظمى والكبرى في المنطقة العربية .. لقد مر اعتراف امريكا بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني مرور السلام. مع هذا ظلت بل تطورت علاقاتهم الى درجة عقد التحالفات مع هذا الغول المفترس للحق والثروات. لذا فان امريكا لن تتوقف في تماديها واستهتارها عند حدود بعينها بل سوف تستمر في انتهاك متواصل للحق العربي ونعني به حق شعوب العرب في الحياة والتطور والسيادة والأمن المستدام. ان الشجب والرفض لا تشبع الجائع للسيادة والكرامة وللحقوق المنتهكة باستهتار لا مثيل له في كل ما مر على دول المنطقة العربية، بل ان الذي يعيد لها اي للشعوب ما سلب منها وما سوف يسلب منها؛ هو الفعل والإجراء المواجهان للغطرسة الامريكية في الميدان العملي وليس الرفض والشجب الفارغان من أي فعل ومضمون. وهذا لا يقع في خانة المثاليات بل هو واقعي وحقيقي وموضوعي في وضع اقليمي ودولي مؤاتٍ جدا، ان كانت هناك ارادة للمواجهة مع هذا الثور الجائع بشراهة لابتلاع واقتطاع وطحن كل ما تصل اليه اسنانه التي ليس هناك حدود لشراستها وقسوتها.



