عن «حرية» زائدة عن اللزوم !
بتنا كشعب وكمنخرطين بالحقل السياسي، أو منشغلين بالعمل الإعلامي، متأكدين من أن الديمقراطية الزائدة عن اللزوم، ستتحول إن عاجلا أو آجلا الى فوضى، وبقليل من إعمال العقل بالتفكير؛ سنكتشف أن تفاعلات الديمقراطية الزائدة عن اللزوم، على صعيد مؤسسات الدولة، والجسم السياسي والدستوري لها، ستكون له آثار تخريبية، تحول العراق الى (ولاية بطيخ)، حيث ينتج فئة لا تحسن غير ممارسة الفوضى، إذ تفعل ما يحلو لها من التخريب، وصولا إلى ما يصطلح عليه في الأدبيات السياسية؛ بالديمقراطية المنفلتة.
طبعا سينصرف ذهن المتلقي، الى أن المقصود بهذه «الجنجلوتية»، هو الدولة ومؤسساتها، والعمل السياسي ومؤسساته ومخرجاته..
بيد أني وجدت أن موضوع الديمقراطية المنفلتة، لا ينصرف أثره السلبي في الدولة والمؤسسات السياسية فحسب، بل أن الأثر الأكثر سلبية وتأثيرا مباشرا، ربما سيكون نتاجاً لما يحدثه الإنفلات الإعلامي، المصاحب للديمقراطية الزائدة عن اللزوم!
الإنتقال بالديمقراطية الفائضة الى وضع الإنفلات، ونتيجة لغياب ما يكبح الفوضى، سيكون من شأنه أن يتحول الدولار إلى سجادة صلاة! والفوضى إلى نمط حياة دائمة، وتقاليد ثابتة بالعمل السياسي، والمصداق في العمل الإعلامي، أكثر مضاءا وتأثيرا وتدميرا أيضا!
إعلامنا اليوم؛ وبفروعه المرئية والمسموعة والمقروءة والإليكترونية ، يعج بالمتطفلين عليه، ويزحم بأشباه الإعلاميين والصحفيين والكتاب، وعلى الأعم الأغلب؛ فإن جمهرة كبيرة من الذين يكتبون، فإنما يفعلون ذلك؛ متحررين من كل الضوابط، حتى اللغوية والإملائية والمفرداتية منها، بل والأخلاقية أيضا! و إعلامنا مع (شديد الأسف)؛ يكاد يغص بمن احترفوا جُبن الإختباء خلف الأسماء المستعارة، والنشر في مواقع ألكترونية لا يعلم لها رأس يمكن أن يعاتب!
لكن صحافتنا، وهي القطاع الذي يفترض؛ أن يكون الأكثر مهنية واحترافا في الإعلام ؛أنزلقت الى منزلق النشر لمن لا ينظرون أبعد من أرنبة أنوفهم، متدرعين بمقولات الحرية والديمقراطية الفضفاضة، متخلين عن مسؤولية الكلمة، وهذا هو الجانب الأخطر في موضوع فائض الحرية!
إن السخرية والتهكم؛ والإتهام بالفساد والتخوين والعمالة، ووصم الساسة والقوى السياسية، بالطائفية والإرتباط بقوى خارجية، باتت ملح الصحافة الورقية، لكنه ملح زائد عن اللزوم، يجعل الطبخة مجة غير مستساغة، لا يتمكن القارئ من تناولها، لأنها ترفع مستوى ضغط الدم!
ما هو أكثر خطرا، يتمثل بالتعرض والمساس بما لا يجوز التعرض له والمساس به: الثوابت الوطنية، العقائد والمقامات والرموز الدينية.!.
الأمر إذاً وصل إلى هذا المستوى من الانفلات، فإن من المتعين أن نعود إلى أصحاب النيات الطيبة، وذلك كي ننهض بمهمة إعادة النظر، في مجمل ما تم إنجازه، ونلغي فائض ديمقراطيتنا، فقد تبين أنه أستخدم أسوأ استخدام، وتحول إلى سلعة جاهزة للاستغلال وللإيجار، ولإطلاق الأحكام والاتهامات بالعمالة والتخوين، من جانب بعض من تم اختراق عقولهم، فجرى إدخالهم في طاحونة الفوضى.
كلام قبل السلام: إذا أردت أن تبحث عن منطق في هذا الواقع، فأنت باحث أعمى عن هر أسود لا وجود له في غرفة مظلمة!..
سلام…
قاسم العجرش



