النسخة الرقمية

الولاية ركن الإسلام وشرط الإيمان

الميرزا جواد الملَكي التبريزي قدّس سرّه
لا بدّ من تعظيم اليوم الثالث عشر من شهر رجب، بلحاظ أنّه يوم ولادة سيّد الأوصياء أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام. ولهذا اليوم في حكم العقل شأن من الشّأن، يقصر عنه البيان؛ فإنّ ما نزل على وجه الأرض في هذا اليوم، واستبان من نور ولاية خاتم الأولياء -والولاية شرط الإيمان وركنه- هو كالجزء الأخير للعلّة التامّة من الإيمان والإسلام، وتلك نعمة لا يقدَّر قدرها..اعلم أنّ الإنسان إذا تنكّر للعقل ولم يحتكم إليه، فكلّ شيءٍ عنده سواء، ولا ترجيح ولا تكليف؛ فأمره أمر البهائم، يأكل ويتمتّع حتّى يدركه الموت. وأمّا إذا جعل العقل حاكماً على حركاته وسكناته، فله بالنسبة إلى كلّ ما في الوجود حكمٌ فعليّ أو تقديريّ. فإذا عقلَ العاقل أنّ سيّداً من أولياء الله سببُ نجاته من عذاب أو عقوبة، توجّب عليه، حكماً، شكره بقدر هذه الفائدة..فكيف إذا قطع العاقل بأنّ أمر العالم قبل بعثة النبيّ صلّى الله عليه وآله، انجرّ إلى أن انطمست أنوار الهداية في بحر الضلالة، وانتهى أمر العالمين إلى أن خرطوا أخشاباً، وصنعوا أحجاراً، فعبدوها وجعلوها بمنزلة ربّ العالمين، وخالق المخلوقين، وسجدوا لها سجود العبادة، ووضعوا لها مناسك. خربوا بظلمهم البلاد، وأهلكوا العباد، واتّبعوا الشهوات، وضيّعوا الصّلوات، وأنكروا القرابات، ووأدوا البنات..فبعث الله جلّ جلاله رسولَه صلّى الله عليه وآله علَماً للهداية، وأنزل عليه الكتاب، فدفع به الجهالات، وجمع به الحلوم، وأكمل به العلوم، وأتمّ به النور، حتّى أورى قبسَ القابس، فأضاء به الطريق، وسلك به السبيل، قد جاء من الله بنور وكتاب مبين؛ فشرع شريعة كاملة، وسنّ لجميع حركات الإنسان وسكَناته أحكاماً خاصّة -حتّى أرش الخدش- تنطوي على جلب المصالح ودفع المفاسد، وبيّن لأمّته جميع ما يقرّبهم من الله تبارك وتعالى، ويُفضي بهم إلى الجنّة، ويباعد بينهم وبين النار، ولم يترك شيئاً من الأشياء، ولا حالاً من الحالات، كلّية أو جزئيّة، شريفة أو وضيعة، كبيرة أو صغيرة، إلا وبيّن حكم الله فيها، بما اقتضته حكمته البالغة التي لا تبلغ كُنهها عقول العقلاء، وأوهام الحكماء، فجاء بشريعة تامّة، كاملة جامعة لحُكم الظاهر والباطن، وسياسة الدّين والدّنيا..وبالجملة، انتشر في زمانه وزمن أوصيائه من العلوم ما يملأ الخافقين؛ من علم الفقه، وعلم الأخلاق والمعارف، وأتمّ الحكمة في أمّته بزمنٍ يسير، فبلغ منها ما لم تبلغه حكمة القدامى على امتداد أزمانهم المتطاولة..ومتى عرف الإنسانُ العاقل عظَمة نعمة البعثة مثلما عرفتَ -واعتقد في نفسه أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان لرسول الله صلّى الله عليه وآله، أخاً ووزيراً، بمنزلة هارون من موسى، خلا النبوّة، وأيقن أنه باب مدينة علمه صلَى الله عليه وآله، ولم يقم أمر الإسلام إلا بسيفه، وتدور الهداية مدار تعليمه، وجعله الله في محكم كتابه نفس النبيّ صلّى الله عليه وآله، وجعل ولايته ركناً للإسلام، وشرطاً في الإيمان- يعرف بذلك شيئاً من عظَمة شأن هذا اليوم، ويستنشق رَوحاً من رفيع مقامه وقد تقرّر في محلّة، أنّ الشكر على قدر النعمة. ومن مصاديق شكر نعمة الولاية تعظيمُ هذا اليوم بالقلب والروح، فمَن عظُم في نفسه جلالةُ زمانٍ أو شرافة مكان، فلا بدّ أن يعامله على قدر جلاله وشرفه، وأوّل ذلك أن لا يضيّعه ولا يتركه معطّلاً، بل يصرفه بكلّ ما يعتقد شرفه وعظمتَه، ولا شرفَ فوق شرف الإخلاص لله تعالى في العبادة؛ من الصوم، والصلاة، والإنفاق في سبيل الله، وتعظيم شعائر الله، والتزيّن بالذّكر والفِكر في الباطن، وارتداء اللّباس النظيف في الظاهر، وإظهار الفرح والسرور في المحيّا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى