النسخة الرقميةثقافية

الحكي أمام الأبواب المقفلة

في كتاب ادواردو غاليانوا (المعانقات) يتحدث عن طفلة عنيدة، تجلس على كرسي مرتفع أمام صحن الحساء، أسنانها محكمة الإغلاق، يداها متصالبتان وأنفها متجعّد. وفي هذه اللقطة المكثفة، تظهرالأم مهزومة، عاجزة عن إقناع طفلتها بتناول طعامها، تلوّح بملعقة مهملة في الفراغ كأنها تلويحة لطلب النجدة. وتتشكل هنا صورتان، صورة الأم المهزومة، وصورة البنت التي اختفت خلف المتاريس، الأسنان المغلقة واليدان المتصالبتان، والانف المتجعد. وهذه الإشارات تشبه الى حد ما أبوابا مغلقة، بينما عجزالأم يشيرالى أنها لاتملك المفاتيح.
ثم يجيء الحل في النهاية، حيث تقوم الأم بحركة تشبه رفع الراية البيضاء في المعارك، تلتفت وتقول: إحك لها حكاية يا اونوليو، إحك من فضلك فأنت روائي.
والحقيقة إن فعل الحكي ينتمي الى منطقة متنوعة التضاريس. في الف وليلة مثلا ينطوي خطاب شهرزاد على نوع من المقاومة، أو سلسلة من المحاولات المضنية لتغيير المصير، أو الخروج من نفق الموت. وفي عيادات الطب النفسي، يكون الحكي هو أشبه بالفتحة، تتدفق المياه السردية، بينما الطبيب يراقب، ويفحص تلك الأشياء التي يدفعها السيل، فليتقط ما يظنه إشارة للعلة، واقتراحا فيما بعد للعلاج.
وأحيانا يكون فعل الحكي طريقة لتحمل عبء الوجود. وهنا أتذكرأني ذهبت الى مكتب العمل في أحدى السنوات، ولم أكن قد اخترت وظيفة مناسية، كان الأمرمحيّرا، طلبت من موظفة هناك المساعدة، قدمت لي سجلا كبيرا، يشبه البوم الصور: هنا. قالت: ربما وجدت شيئا. وكنت أمر على العناوين حتى صادفني شيء غريب، مضحك ومأساوي، وظيفة حكّاء، يسرد قصصا للذين أشرفوا على الموت، كبار السن، المرضى الذين لا شفاء لهم.
وفي العودة لقصة الطفلة العنيدة، تعترف الأم في لحظة خذلان بأنها لا تملك طريقة لفتح الأبواب، من يحكي هو الذي يفتحها. فيحكي أونوليو قصة عن طائر أغلق منقاره، طائر عنيد لا يريد أن يتناول الطعام. تقول له أمه، والأم في حكاية الطائرحكاءة: أعرف طائرا صغيرا مثلك، لم يتناول طعامه فظل صغيرا الى الأبد.
يقول الروائي: لكن الطائر العنيد لم يهتم، ولم يفتح منقارة.
هنا وصل فعل الحكي الى النقطة التي يكون فيها المفتاح قد دار فعلا في فتحة الباب، يصمت اونوليو، وتفتح البنت فمها، تفك تصالب يديها، وتصيح: يا له من طائر حقير.

زهير كريم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى