النسخة الرقميةثقافية

شعرية السياسة في قصيدة «الوريث قادم» للشاعر حسين ديوان الجبوري

نائلة طاهر

من الإتهامات الموجهة للنصوص الشعرية الحديثة أنها تثور على كل القوالب القديمة وتنسف القواعد المتفق عليها في سبيل إنتاج نص شعري يعتمد على الإبهار في القول والصورة ضمانا للاعتراف به . غير أن المهتم بالشأن الأدبي عامة يعلم أن الشعر الحديث كان نتاجا طبيعيا لواقع متناقض محتدم لا ينفع معه تصور واضح أو مفاهيم راكدة .

ولا يقبل بالحلول والإجابات الجاهزة على الأسئلة المتناسلة من عقل المثقف، ولا بد هنا من أن نشير أن الشاعر الحقيقي هو ذاك المثقف الجمعي الذي لديه رؤيته الواضحة للواقع والمستقبل والذي مارس الفعل النقدي على الماضي ليفهم الحاضر و يؤسس للمستقبل في إطار عمل مؤسساتي شخصي الجوهر الخالص به الذات العاقلة والشاعرة والتي لا يمكن أن تكون مجتمعة إلا عنده.
ورغم أن الثورة ليست بتهمة وإنما هي وسام لكل من شارك أو ساهم بها فإن الشعر الحديث لم يكن ابدا شاعرا مجتثا للجذور بل بالعكس القصيدة الحديثة كثيرا ما تعتمد على الأسطورة والتاريخ كمدخل أو كتأطير للفكرة والموضوع ،مع اختلاف الأسلوب أو التجديد به ،لكن لا بدَّ أن لا يخرج كل ذلك عن الشعرية، فلست مع استخدام الشاذ والصادم في المصطلح والصورة لإثبات جدوى وقيمة النص.
أردت هذا التقديم لأننا بصدد تحليل قصيدة الشاعر العراقي حسين ديوان التي تعدُّ أنموذجا مدللا على كل ما سبق من قول، خاصة أنها مثال جيد لقصيدة النثر التي ترفض «العقل الإطلاقي» والمبنية على السؤال والجدل، ونحن على اتفاق أن طرح السؤال هو وسيلتنا الوحيدة لإجابة علمية قابلة للتوظيف ونبتعد بذلك عن الإجابات الجاهزة التي هي ليست إلا إيديولوجيا سياسية تغييبية.
«الوريث القادم» أهو عنوان لقصيدة أم اختزال لحضارة كاملة ومرحلة تاريخية سياسية بدأت منذ توريث الإنسان واستخلافه إلى اللحظة الراهنة؟
قد يكون سؤالي كبيرا لكنه ليس أكبر من النص الذي نحن بصدد تحليله ،النص الذي اعتمد في كل أجزائه على التناص والذي كانت الرمزية به ملفتة مجدية.
الشاعر حسين ديوان وظّف تقنية التناص مع القرآن توظيفا كليا لا للإثراء فقط ،مرتقيا بالصورة الشعرية إلى مشهد فني فكري قائم على التصوير والجدل .وهذه التقنية من أخطر الأدوات الشعرية فاستسهالها يسقط النص في البلاهة وإدراكها الجيد يرتقي به إلى البلاغة ،وما بين المرتبين مسيرة تنظير كاملة تنتهي بالنجاح أو الفشل ،فإما أن تكون «شاعرا لفكره ظل الله « وإما أن تكون فاسقا مرتدا عابثا بالمقدسات.
ولأن حسين ديوان شاعر حقيقي فإنه لا يحتاج منا إلى الحكم على شعريته وإنما الأهم من كل ذلك تفاصيل وملامح فكره ،فقد تجاوز أمثاله مسألة الشعرية في النص بعد التجربة الكبيرة في كتابة قصيدة النثر ،وبعد انخراطه كمثقف عربي في جدلٍ ينقد ويعري الواقع السياسي للوقت الراهن.
ومجموعة الأسئلة التي كانت خريطة البناء في القصيدة تحكم على قيمة النسيج الفكري الذي أراده موضوعا لنصه.تلك الأسئلة التي كانت تفصل بين محاور المشهد الشعري بأفكاره ودواعيه وكل سؤال يعقبه الطرح المناسب أو الموقف.
من يلقف أفاعي الحقد؟
من يشق البحر إذن؟!
هل يجهل الناس عباءة هارون؟
من يدرك البحر قبل فرارهم؟
اسئلة تعقبها أدوات تعجب تشير أن الفكرة في ذهن الشاعر واضحة انطلاقا من قصة قديمة نرى انعكاسا لها بواقعنا العربي الذي للأسف لا يزال وفيا لمقولة التاريخ يعيد نفسه ولا نعلم بحكم العادة لدينا أو بحكم الأقدار، فنحن الشعب الوحيد الذي تتكرر لديه نفس الأحداث بصورة غريبة ولكننا لا نتعظ منها ولا نهتدي للحلول إلا بعد الوقوع في الخطإ نفسه وقد يأخذ منا الوصول إلى الحل مرحلة تاريخية أخرى تعيدنا إلى الوراء لنتحسر من جديد على ضياع حضارة أخرى.
السامري وقصة فرعون والعجل.. السامري صار حسب الشاعر حسين ديوان عشيرة كاملة، فبعد أن كان بيننا دجالا واحدا أو وهما صغيرا اتسعت رقعة الوهم والدجل ونحن من ساهمنا في اتساع دائرة الجهل بالسياسات الخاطئة لحكامنا. لكن من حكامنا؟ أ ليس الحاكم نفسه ذاك الوريث، أو ليس الوريث نفسه خليفة الله في الأرض؟ سواء أن كان الحاكم أو اتباع السامري فإنه الإنسان ذاته، او الفزاعة ذاتها الجهل الذي امتد وتناسل في اشكال متجددة الكل ينفي انه صانع لها والكل يدعي محاربته. الفكرة نفسها التي ما زالت نتائجها ممتدة وتتلخص في الأبيات التالية:
ما زال
فرعون يستحيي نساءنا
ويذبح أبناءنا
تحت صمت المساجد والكنائس أو ربما بسبب تواطؤ الوريث مع السامري وسماحه بتضخم صورة العجل كرمز لكل نزوح عن الحقيقة وانحياز للرموز الدينية المزيفة التي لهم فيها مصلحة، تماما مثل ما قال تعالى على لسان نبيه موسى بعلمه : «قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لا مِسَاسَ». (طـه:97).الظاهرة بيننا والادعاء أن هناك من يقاومها مردود على أصحابه، فلا مساس، لا أحد يتعرض للسامر ولا أحد يسجن شيطانه ، كقوله تعالى للشيطان :»قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورا «ً. (الإسراء:63). فالسامري والشيطان و الوريث الفاسد هم نسخة واحدة ولازالوا بيننا.ولازال حسب قول الشاعر:
الناس ترتدي ثياب عبادة
والظلم ما زال يتسول الليل ظلامه
يشحذ مدية تحت ردائه
ليقطع لسان صاهر الحرية
الوريث، لست أعلم ان كان الشاعر يرى في الوريث ضفتين، ضفة تستعين بالأفاعي وتمشي وراء كل سامر (بكل ما يحويه هذا الاسم من رموز) وضفة أخرى يأتي معها الخلاص ،فئة تحتفظ بمفاتيح الوعي بالتغيير، وريث مجهولة الى الآن الجهة التي سيأتي منها لكنه قد يكون معلوما للشاعر:
الوريث قادم يحمل العصا
ومفاتيح البيت الحرام
سيشعل الظلام
ستصير اﻷفاعي.
مجرد أحبال بالية
يقطعها حراس البحر العتيق
ينار الطريق
قناديل النصر تمتص الظلام مرة واحدة
ينهض من في اللحود
وهو ما يفسر النظرة الحالمة والموقف المتأمَّل للشاعر في آخر القصيدة بالوضع العراقي الآن ومشهد الانتصار الشعبي على الدواعش، انتصر اصحاب الحضارة القديمة ومن شربوا من النهر العراقي العتيق.
انتصرت الإرادة الشعبية لا السياسية اي الخليفة الحقيقي الذي هو الجوهر الصافي لقاعدة الاستخلاف في الأرض كما كان ينبغي لها أن تكون الأمانة التي حمّلها الله الإنسان وأكرمه بها . لكن ما نصيب الحارس الفعلي لبيت الله من هذا الموقف؟ ففي الوجه الثاني للعملة صورة لحراس أُخُر هم من نفخ في صورة العجل فتناسل وتعدد على شكل المسخ الذي يهدد العالم كله. أيتخلى هؤلاء عن صناعتهم أم أن الغباء السياسي سينجب أفاعي جديدة تسمم دماء الإخوة ليغدو الأخ العربي عدوا لأخيه في ظل مخططات أكبر استباحت الدم العربي الرخيص لتسيطر على ما هو أثمن؟
السامري اﻵن عشيرة
تمددت من الجنوب إلى الشمال
وأشرعت في الغرب تسمع خوار عجلها المسخ
من يدرك البحر قبل فرارهم؟
الأفكار والمضامين الواردة بالقصيدة تكاد تكون دراسة سياسية للوضع الحالي لكنها وردت في إطار شعري مغرٍ يجعل من النص قيمة فنية ثابتة خاصة مع تمكن الشاعر حسين ديوان من صيغ كتابة قصيدة النثر. وهذا الذي يؤكد ما قدمت له من ضرورة أن يكون الشاعر ضميرا للمثقف الجمعي لا بوقا لنفسه فقط، لا مثقفا فرديا يجدف ضد تيار الواقع في بحر من الأحلام التي لم تعد مجدية.
نص القصيدة
الوريث القادم
مشرئبة أعناقها
أفاعي سحرة فرعون
إلى اليوم تسحر أعين الناس
وعصا موسى اختفت
من يلقف أفاعي الحقد؟!
ما زال فرعون يستحيي نساءنا
ويذبح أبنائنا
من يشق البحر إذن؟!
مؤذن الجامع بحة صوته
وجبين الصلاة يقبل اﻷرض
مآذن تكبر!
كنائس تدق أجراسها
الناس ترتدي ثياب عبادة
والظلم ما زال يتسول الليل ظلامه
يشحذ مدية تحت ردائه
ليقطع لسان صاهر الحرية
لنفضح أسرار القضية
هل يجهل الناس عباءة هارون؟
هل يفقه القوم قولي؟
السامري اﻵن عشيرة
تمددت من الجنوب إلى الشمال
وأشرعت في الغرب تسمع خوار عجلها المسخ
من يدرك البحر قبل فرارهم؟
هل نرى اﻻرض مرة أخرى؟
نعم.
الوريث قادم يحمل العصا
ومفاتيح البيت الحرام
سيشعل الظلام
ستصير اﻷفاعي
مجرد أحبال بالية
يقطعها حراس البحر العتيق
ينار الطريق
قناديل النصر تمتص الظلام مرة واحدة
ينهض من في اللحود
ليقولوا!
(هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون)

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى