النسخة الرقميةثقافية

كومبارس

سليمان الأسودي ـ اليمن

أنا لم أعد ذاك الشابّ الضحوك، المرح، الطَّلِق اللسان، صرت شخصا آخر، لا يمتّ لي بأيّة صلة. لا أشبهني، كأنّي من كوكب آخر، من عالم آخر، تفنّن القدر بترويض صبري، بتعليل نفسي، بصياغة تاريخي الحافل بمصارع السوء. لكن بي ثمّة أيقونة للثّبات، أدهشتني بعنفوانها، بجموح تشبّثها، خلقت لنفسها من الأمل فضاء رحبا، صنعت لها رؤىً عدة، وأفآقا اخرى. منذ نعومة أظفاري، كنت أشعر أني طفرة، كنت أحسّ أنّي لن أدرك ما أصبو إليه، إلاّ بعد أن تجفّ غصون رغبتي، ذات يوم سأكون شيئا ما، يليق بطموحي، بأحلامي، ربّما حتى أقرب ما أشتهيه، لن أناله باكرا. بداخلي شخص آخر، يضمر لي الشرّ، ويبادلني العداوة، لا نطيق بعضنا، بداخلي عالم من التّناقضات. مهووس بالسّفر وركوب الأخطار، وما زلت أقبع ساكنا مثل الحجارة، شبق، وما زلت أعزب بكلّ ما تحمله الكلمة من مرارة، عاشق للحبّ والسّلام، وأحيا في بوتقة الحرب، والتنافر والخسارة.
يا خسارة!
كل ما حلمت به يوما، لم يكن إلّا محض حلم مستحيل. مجرد فكر لطفل بائس، فقير، يحلم بصنع تاريخ وحضارة.
حلم لمهمّش صغير يسعى للخروج من بوتقة الحروب والدّمار، ولا يملك اسما ولا جوازا ولا حتى استمارة، كلّ حقوقه كناية، وكلّ حياته إستعارة، فليرفع العمر يديه عني، أنا الكومبارس في مسرح الحياة، أموت حين ترتفع السّتارة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى