النسخة الرقمية

هل للعقل مكان ؟

يطلق العقل ويراد به معاني متعدَّدة، فتارةً يطلق ويراد منه: ما يقصده الجماهير وغير المتخصِّصين فلسفياً، وتارةً يطلق ويراد منه، ما عنى به الفلاسفة بحسب اصطلاحهم، لذا كان للعقل أطلاقات عدة: الأوَّل: يراد به صحَّة الفطرة الأولى في الناس، فيقال لمن صحت فطرته الأولى إنَّه عاقل، ويكون حدُّ العقل عندها أنَّه قوَّة يدرك بها واضحات الأمور وأولها، وأيضاً بها يجوز التمييز بين الأمور الحسنة القبيحة، ويمكن تسميته بالعقل الفطري.. والثاني: ويراد به ما يكتسبه الإنسان بالتجارب من الأحكام الكليَّة، فيكون حدُّه أنَّه معانٍ مختلفة في الذهن تكون مقدِّمات تستنبط بها المصالح والأغراض، ويمكن تسميته بالعقل العرفي.. والثالث: وهو معنى آخر يرجع إلى وقار الإنسان وهيأته، ويكون حده أنَّه الهيأة المحمودة للإنسان في حركاته وسكناته وكلامه واختياره..والرابع: العقل التراثي، وهو معنى راجع إلى ما يعكس عادات وتقاليد الأمم المختلفة وطريقة تفكيرهم على مرِّ العصور..والخامس:العقل الفلسفي وهو: الجواهر المجرَّدة ذاتاً وفعلاً، المعبَّر عنها بالعقول بلسان الفلاسفة أو الملائكة بلسان الشرع.. والسادس: العقل باصطلاح المناطقة أو العقل الأرسطي، وهو ما يمثِّل مرتبة من مراتب الإدراك الباطني وراء الحسِّ والخيال والوهم، وبه تدرك الكليات عند الإنسان، وبه يتميَّز عن بقية الحيوانات من أفراد جنسه..وعموما فالفطرة والأحكام العامّة الكليّة والتفكير العرفيّ نحو علم في النفس والنفس مجرّدة، والهيأة النفسية هي ملكات النفس والنفس لا مكان لها، والعقل بالمعنى الخامس نحو موجود اشدّ تجردا من النفس فلا مكان له، وسادس المعاني من أبهى قوة النفس تجردا فلا مكان له، نعم لا ننكر أنّ النفس ماديّة في فعلها، فتحتاج للمادة كمعد لخروج فعلها من القوّة للفعل، فحتى في تفكيرها محتاجة للمعدّ مادامت مدبّرة للبدن ومتعلّقة به، وحيث معداتها ماديّة وجسم، فلنا أن نسأل عن مكان معدّها كي يكون السؤال في مورده، ومعدّ العقل تجويف في وسط الدماغ على ما ذكروه في الطبيعيات القديمة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى