النسخة الرقميةثقافية

شذرات الضعيف على التعريف … قراءة في كتاب «تعريف عام بدين الإسلام» للشيخ علي طنطاوي

محمد قشتو ـ المغرب

فتحت الكتاب ثلاث مرات، أولاهن كنت فيها مستعجلا قرأت فيها قصة الكتاب، وفصلاً معنوناً بـ»بين يدي الكتاب»، أما المرة الثانية فجلست فيها في وقت فراغ على نية أقرأ فيه ما تيسر، فكانت فصوله كفصل واحد، لا أستشعر نهاية فصل إلا وأنا في فصل آخر، وذلك راجع كله إلى متعة الربط بين فصول الكتاب كلها، بلغة ماتعة بسيطة الإدراك سهلة الفهم، فلم أقف إلا عند الصفحة الأربعين والمئة، ولولا إلتزام إلتزمته في تلك الليلة لوقفت عند نهاية آخر حرف منه. أما المرة الثالثة والأخيرة ففي اليوم الموالي فعندها بلغت حده وما زلت أطمع للإستزادة منه لو كانت.
في ثلاث محطات أنهيت سفري الماتع الجذاب مع كتاب العلامة المبجل والبحاثة المقتدر الشيخ علي بن مصطفى الطنطاوي (1909 ـ 1999) رحمة الله عليه.
إن أول شيء يجعل الأديب عبقريا والكاتب عملاقا في نظر نقاذه وقرائه هو ذلك التقييد الذي يفرضه عليهم في مستهل كتابه خصوصا، وبين فصوله عموما بطريقة غير مباشرة، ولعل أديبنا وشيخنا الطنطاوي تلكم قاعدته في جميع مصنفاته، فقد قرأت له مجموعة من التآليف والمصنفات، وأروم ـ والله ـ أن أقرأ جميع ما خطه بعقله قبل يده من بنات فكره التي تركها تعرف طريقها بإرادة الله عزَّ و جلَّ بين الشباب المسلم في كل بقاع العالم، فيا للحلاوة التي أستلذ بها عندما أقرأ له.
وأول شيء إستهل به كتابه هذا قصته ـ الكتاب ـ البديعة لغة وحرفا، المزخرفة درسا ومعنى، فبعدما كتب في ذات الموضوع في مجموعة من الجرائد، وحضر في الموضوع نفسه ما يزيد على خمسين سنة ـ على حد قوله ـ ونادى الجمع من أقرانه من أهل عصره لإفراد مصنف مميز في هذا الموضوع مرات عديدة ولم يجبه أحد.. قرر بنفسه أن يخوض الغمار بعدما تعددت واجتمعت لديه الأسباب والهدف واحد، وبعثه على ذلك أيضا أناس أخذوا بيده وشجعوه بعدما لمسوا إبداعه في مقالات نشرها.
وكان من جميل ما يؤسر به الشيخ قراءه، عرضه الجميل وأسلوبه المحنك لقصة الكتاب: فكان منها ما حاول الكتابة فيه حتى بلغ مبلغا فتعسر طبعه حتى ضاعت الأصول، وطالبه تلاميذه ـ بعدها ـ في بغداد بالثانوية المركزية سنة 1936م بكتاب يفهمون منه الإسلام كما يعرضه النبي (ص) على من يفد عليه من قومه، فكان طلبهم هو الآخر حافزاً لتأليف الكتاب، فبعد مضي ست وثلاثين سنة بالتحديد، كتب مقالة في مجلة رابطة العالم الإسلامي بنفس عنوان الكتاب، فتنبه لها بعض أصدقائه فأشاروا إلى الرابطة ووزارة المعارف حينها، لتكليفه بتأليف الكتاب بنفس العنوان والموضوع، فكان ذلك أيضا حافزا كبيرا على التأليف، فعمل الشيخ جاهدا مجتهدا في صيف تلك السنة، والسنة التي بعدها فيم أسند إليه حتى أشرف على الانتهاء، فضاع منه ذلك كله في أيام انتقاله إلى عمان.. ولم يقضِ ذلك قط على عزمه وهمته، فقرر البدء مرة أخرى، وليس بين يديه سوى كتاب الله الكريم، معتقدا اعتقادا جازما صحيحا أنه الخير كله، فجعله المستند الأول والأخير لتأليفه، فلعل ذلك ما جعله يعبر فيه على أنه للشبان وليس للعلماء والمشايخ، فبعد عشرة أيام أتم له الله مراده، فسبحان رافع الهمم.
وفور تمام هذا الكتاب على يد الشيخ (رحمه الله) نشر بالمدينة المنورة لأول مرة، ثم انبرت له وزارة المعارف الأردنية فطبعت منه اثني عشر ألف نسخة، وزعتها على جميع المعلمين والمعلمات في مملكتها، ثم نشرته وزارة الدفاع في نفس المملكة، ثم بعد ذلك نشرته مجلة الرسالة طبعتين. أما هذه الطبعة التي بين يدي فهي من نشر «دار المنارة للنشر والتوزيع» بالسعودية.
ودُرّس الكتاب في الجامعات باسم مادة «نظام الإسلام».. وإنه لجدير باهتمام بالغ وحفاوة قصوى أكثر من هذا الذي قرأنا عنه وسمعنا، فاللهم أسدل على مؤلفه الفقيه البارع الشيخ علي جلابيب رحمتك وإحسانك وعفوك وهو في جوارك، جزاءاً وأجرا وثوابا على هذا التلخيص لفظا وعبارة والمجلد معنى وإفادة.
والقارئ للكتاب يعي ما أخبر به في مطلع هذه السطور، فقد مهد الشيخ للموضوع في كتابه بخواطر جعلها قنطرة ينظر منها القراء لجمالية الرياض الذي يقبلون عليه، ومنظره الجذاب الأخّاذ، خواطر لا يستغني عنها الكبير والصغير منا وهو يقطع مسالك هذه الحياة الوعرة، ولا يلبث القارئ الحاذق لمعانيها قبل حروفها بقلبه حتى يسردها على مائدة أسرته أو في بيت زوجه ناهيك عن المنابر والجلسات العلمية والمحاضرات الأدبية، ـ ولكي لا تخل وقفتنا مع هذا الكتاب من هذه الميزة ـ فهاكم قرائي الأعزاء قطرة من عسلها المصفى، يقول الشيخ في الصفحة السابعة عشرة: (كلنا يقول: (قلت لنفسي) و(وقال لي عقلي)، فما أنت وما نفسك؟ وما نفسك وما عقلك؟ لم يتضح ذلك لنا بعد، فلست أكشف هنا المجهول، ولكن أذكر بمثال مشاهد معلوم:
تكون نائما في ليالي الشتاء، متمتعا بدفء الفراش، ولذة المنام، فتسمع قرع المنبه يدعوك إلى الصلاة، فتحس صوتا من داخلك يقول لك: (قم إلى الصلاة)، فاذا جئت تقوم، سمعت صوتا آخر، يقول لك: (نم قليلا)، فيعود الصوت الأول يقول: (الصلاة خير من النوم)، فيقول الثاني: (النوم لذيذ، والوقت متسع، فتأخر دقائق). ولا يزال الصوتان يتعاقبان، تعاقب دقات الساعة: (نم. قم. نم. قم … هذا هو العقل، وهذه هي النفس).
هذا غيض من فيض وقليل من كثير، فإن رمت باقيها سيدي القارئ فلا تخل برنامجك في مطالعتها كلها، ففيها عن طريق الجنة وطريق النار، وفيها عن طبع الإنسان الملائكي والشيطاني وكذلك عن طبعه الحيواني، فيها ما يفكر فيه معظمنا سنوات من حياته فلا يجد له جوابا إلا حين يعض بنواجذه على هذا الكتاب فيطلب مناجاته.
كل هذا حاول به الكاتب النحرير أن يشوق به قراءه ليدخلوا في غمرات ما هو أهم وأساس أكثر دون أدنى شعور بذلك، فلا يزال القارئ يقرأ تلك الخواطر بشغاف قلبه ويتناولها بفيء عقله، حتى يجد نفسه في مطلع فصل آخر وهو يقرأ: (فما الإسلام؟ وكيف يكون الدخول فيه)؟ فيحمله فضول السؤال على معرفة الجواب، وتلك طريقة حسنة تتبعها -الكاتب- في مواضع من كتابه دون أخرى، فعلى سبيل المثال في الصفحة التاسعة والثلاثين من فصل قواعد العقائد عند القاعدة الثالثة يقول: (ما مدى العلم الذي تبلغه الحواس)؟ وفي الصفحة الواحدة والأربعين عند القاعدة الرابعة يتساءل مجددا فيقول: (فهل للخيال حدود، أم أنه مطلق غير محدود؟ هل أستطيع أن أتخيل شيئا لم أدركه بالحواس)؟
وهذا فعله الأحسن وصنعه الأجمل ـ رحمه الله ـ في مطلع بعض الفصول، وكذلك أحيانا بين أجزاء النص، ثم صار يفيض بإسهاب معتدل في كل فصل يعنونه، فبعد تلك الخواطر العذبة خلص إلى إعطاء معنى أوفر عن الإسلام، ثم عقد فصلا تحت عنوان: (تعريفات) أورد فيه مفهوم مجموعات من المصطلحات التي تتبادر إلى الأذهان في حلقات العلم ومحاضرات الشيوخ والعلماء فلا يجد لها السامع والمتلقي فهما واضحا، من أمثال مصطلحات: (الشك، العلم، الظن، غلبة الظن، العلم النظري والعلم الضروري، البديهة) فيحاول ـ رحمه الله ـ أن يعرضها بأسلوب مبسط في مثال يومي، أو ربما ذكر من قال فيه شيئا قبله، كحديثه على مصطلح الشك، فقد ذكر أنه تحدث عنه حجة الإسلام الإمام الغزالي في كتابه المنقذ من الضلال، وبعده الفيلسوف ديكارت في منهجه المشهور.
وعقد الشيخ (رحمه الله) فصلا رائعا في غاية الأهمية عنونه بــ: (قواعد العقائد)، اهتدى إليها من قرارة نفسه، وذكر في هامشه قصتها المغمورة، وكيف أنه وضعها في مناهج مدارس الأوقاف، وطبقها كما وضعها، مع أنه سرقها أحد المؤلفين ونسبها لنفسه، ولم يصرح الشيخ بشيء آخر غيره، وهذا من حلمه الأكبر وورعه الأجل.. فقد وضعها «ثماني قواعد» بدأها قبل الحرب العالمية الثانية، ونشر خلاصتها في جريدة الرسالة، ولما كان مدرسا بمكة في إحدى كليات التربية، عمد إليها فزاد عليها، حتى بلغت هذا العدد، وفصل فيها تفصيلا معتدلا، لا يستغني عن قراءتها قارئ، ولا يكفي طالب علم قراءتها فقط، بل عليه أن يحفظها ويعمل بها فهي وجبة ميسرة سهلة الحفظ سائغة الفهم، وإني ناقل عناوينها كلها هنا كالتالي: (1. ما أدركه بحواسي لا أشك أنه موجود، 2. اليقين كما يحصل بالحس والمشاهدة، يحصل بالخبر الذي نعتقد صدق صاحبه، 3. لا يحق لنا أن ننكر وجود أشياء لمجرد أننا لا ندركها بحواسنا، 4. الخيال البشري لا يمكن أن يلم إلا بما أدركته الحواس، 5. العقل لا يستطيع أن يحكم ولا يصح أن يحكم إلا في الأمور المادية المحدودة، 6. الإستعاذة بقوة وراء الكائنات، 7. الدليل النفسي على وجود العالم الآخر، 8. الإعتقاد بوجود الحياة الأخرى).
ثم أتى بعد ذلك على فصول: الإيمان بالله، وتوحيد ألوهيته، ومظاهر هذا الإيمان، ثم الإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالقدر، ثم الغيب، ثم الإيمان بالرسل، وكذلك الكتب، على النحو الذي ذكرناه من لغة يسيرة الإدراك، وأمثلة من الواقع المعاش، وربما وضع للفصل عند ابتدائه قضايا يرتكز عليها، فنجده على سبيل المثال لا الحصر عند فصل الإيمان بالله يقول: (الايمان بالله يتضمن أربع قضايا: هي: ان الله موجود بلا موجد، وأنه رب العالمين وأنه مالك الكون المتصرف فيه، وانه الإله المعبود وحده، لا يعبد معه غيره) ص 53. وربما أيضا فصل في إحدى تلك القضايا بإحدى القواعد الثماني فيستدل بها إستدلالا جازما، لذلك نجده يقول عن قضية وجود الله: (قلنا في القاعدة السادسة: ان الاعتقاد بوجود الله من الأمور البديهية التي تدرك بـ(الحدس) النفسي، قبل أن تقبل بالدليل العقلي) ص 53. وهذا نهجه في سائر الكتاب ـ رحمه الله ـ.
وفي بعض الفصول نجده يغنيه بمباحث شتى، تدل على طول يده وبراعة فكره وفهمه في ذات الموضوع، بل نجده يتطرق لشبهة من الشبهات التي تلوكها الألسن وتنقلها الأفواه بدون علم وفهم فيرد فيها بمعتقده، بل يلخص أحيانا في فقرة وجيزة كل ما تطرق إليه في إحدى القضايا فتراه بذلك يجمع شتات ذهن القارئ في كل ما قرأ، فاللهم أكتب لمؤلفه الشيخ علي الطنطاوي رحمة واسعة.
وقد رأيت القراء المهتمين يلحون على قراءة الكتاب قراءة متكررة، فو الله إنه لقبول وضعه الله لهذا الكتاب ولمؤلفه بعد أن وري الثرى بعشرين عاما.. ويا ليت الأساتذة الأماجد والمعلمين الأفاضل والمرشدين الأماثل والوعاظ الأماتع في كل البقاع يرشدون وينصحون بهذا الكتاب، فإن كان المسترشد مسلما شرب شربة صافية من بحر العقيدة الإسلامية لا يظمأ بعدها أبدا، وإن كان غيره عرف المعنى الصحيح عن دين الإسلام الذي صار مفهومه مغلوطا عن الغرباء عنه.
وما أشد حاجتنا -نحن المسلمين- إلى جعل هذا الكتاب قرينا لأرواحنا، صديقا في أسفارنا، وأنيسا في مجالسنا، وإنه للعيد الأكبر يوم تعلن المملكة المغربية المحروسة خاصة، و البلاد العربية المحفوظة كافة عامة، عن تدريس هذا الكتاب في مدارسها وكلياتها، كما فعلت المملكة الأردنية الهاشمية يوم ولد، فيا إله العرش إن كان هذا اليوم مكتوبا في لوحك المحفوظ فقربه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى