«جواز سفر».. رحلة بين هاويتين تكشف عن انتكاسة الواقع

أحمد جرب ـ مصر
يلازم الإحساس بالنفي شخصيات روائية عربية كثيرة، وفي الأقطار كافة، وربما لدى كل أجيال الروائيين وخصوصا أولئك الذين بدأوا الكتابة مع العقد الأخير من القرن الماضي، ومنهم الروائي المصري ممدوح عبدالستار، وهو يكتب الرواية والقصة القصيرة وله إثنا عشر كتابا، وفاز عنها بأكثر من جائزة عربية ومصرية، منها جائزة سعاد الصباح في الرواية والمجموعة القصصية وجائزة دبي في القصة.
جواز سفر
آخر أعمال ممدوح عبد الستار رواية قصيرة بعنوان “جواز سفر”، وفيها يتجلى الاغتراب عبر كل العتبات ابتداءاً من لوحة الغلاف، وهي العتبة الأولى التي تواجه القارئ، حيث تحدد أفق توقعاته ومسار تأويله للنص، وغالبا ما لا يكون للكاتب دور في اختيارها، إلا أنها تعبّر عن قراءة راسمها للنص، وغلاف الرواية قدم لنا شخصا يجر حقيبتي سفر، يرسمه من الخلف حتى يخفي عن القارئ ملامحه، ويعطينا بذلك مدخلا رئيسا لقراءة العمل فالنص لا يرسم ملامح جسدية مميزة للراوي بقدر ما يجسد ملامحه النفسية كمغترب.أما عتبة العنوان التي يراها أمبرتو إيكو مفتاحا للتأويل وتمثيلا لهاجس ما، فتتشكل من كلمتين “جواز سفر” أي الوثيقة التي تتيح لحاملها مغادرة وطنه، وهي هنا تتضمن رمزا يحيل إلى مضمون النص الذي يستهله المؤلف بقول الراوي ”نزحتُ إلى المدينة التي تحتضن الأغراب الأبرياء”، تعبيرا عن رحلته الداخلية من القرية إلى المدينة، وينتهي بالإعلان عن مغادرة الوطن نفسه، بقوله ”فسحبني صاحبي من يدي، ومضينا في طريقنا معلنين، وشاهرين جواز السفر”.
والعتبة الثالثة التي تؤكد اغتراب الشخصية الروائية هي عتبة العنوان، تلك العتبة التي لا يلتفت إليها النقد كثيرا على الرغم من أهميتها في بعض الحالات، كما جاء الإهداء كنص موازٍ، يقيم علاقة مع النص الأصلي كاشفا عن الدلالات المضمرة والمسكوت عنها في ثنايا النص، الإهداء هنا يصوغه الكاتب مباشرة دون أن يتوارى خلف الراوي، فيأتي بمثابة رسالة قصيرة مقصودة من الكاتب إلى القراء أو إلى الآخرين بصورة عامة، وإلى المُهدى إليهم بصورة خاصة. فيُهدي الكاتب روايته “إلى كل من غابوا عنا، وما زلنا نحبهم”، ويوقع الإهداء بوصفه “المثقل بأحلام ناقصة”، هكذا يؤكد الاغتراب ويفسر سببه أيضا حينما يغترب الكاتب بعدم إثبات اسمه، ويحضر بصفته الدالة على اغترابه.
أما العتبة الرابعة التي تصلنا بالنص فهي عتبة “الاستهلال”، وهي المدخل الذي تبدأ به الرواية، وبحسب النقاد فهي ”نقطة ساكنة تقع بين طرفين، الواقع والنص ينطلق منها الكاتب إلى تفصيل رؤيته”، ولا يمكن عزلها عن السرد إذ هي أحد مكوناته، وقد منح الكاتب الاستهلال للراوي ليقوم بتعريف نفسه للكاتب عبر فقرة وحيدة، يبدأها بذكر اسمه “اسمي أبو قوطة.
لا أدري سببا لهذه التسمية. سامحه الله والدي. أحب اسمي جدا، رغم ما ألاقيه من سخرية. أسكن في الدور الثاني. الدور الثاني شقتان بعمارة آيلة للسقوط الحُرّ في أي لحظة حسب نزعة الرياح القادمة، وهي بحي شعبي عتيق. أعشق شقتي كثيرا ولي معها ذكريات”.هكذا يرسم الاستهلال صورة كلية للراوي، وهو الشخصية الرئيسة في الرواية، إذ يحمل اسما مثيرا للسخرية، وهذا الاسم يعدُّ جناية ضمن جنايات ارتكبها الأب تجاهه، لكنه متسامح مع الأب، وسكنه في منزل آيل للسقوط يوحي بما يعاني من عدم استقرار في حياته عامة، وعشقه للشقة وذكرياته معها رغم ذلك، دليل ثان على تسامحه ورضاه أو تعايشه مع أحواله الصعبة، التي تدفعه للارتحال بين هاويتين، فحينما غادر القرية إلى المدينة بحثا عن عمل وفرصة حياة أفضل لم يجدها فاستخرج جواز السفر مرتحلا إلى هاوية ثانية لكن خارج الحدود.
المحطة والمقهى
ينزح الراوي إلى المدينة، بتأثير مطالبات الأب له بالبحث عن عمل لأنه أصبح عبئا ثقيلا، وفي تيهه بالمدينة يصبح واحدا من الغرباء “عمامات كثيرة حول الرأس، وصغار يلتصقون بتلابيب آبائهم، وكثيرات يغطيهن السواد، ويحملن القُفف والمقاطف والحصير، والصغار يحمل كل منهم صُرّة هدومه”.
هكذا لا تفاصيل لأحد ولا سمات مميزة، يراهم وكأنهم واحد فقط وبلا ملامح، فيتبدد أمله، وكان قد بدأ الحلم قائلا “نزحتُ إلى المدينة التي تحتضن الأغراب الأبرياء، وتُملّس عليهم بحنان”، لكن المدينة ليست كذلك، فيعاقبها بالتجاهل، ويختزلها فقط في مكانين المحطة والمقهى، وليس ثمة معلم ثالث للمدينة التي لم تحن عليه.
وتصبح المحطة معادلا للتيه وليس الوصول، يقول “الرعشة تملكتني، عندما أحسستُ بأني مبتور، ولا أحد يدلني على بوابة الخروج”. ويضيف “جلستُ- متعبا- وسط المحطة حائرا، سرت داخل المحطة، لا أنوي شيئا. القطارات تروح، والعيال يجيئون. ورائحة الموت في الوجوه”.
أما المقهى وقد كانت في القرية رمزا للبطالة، فالبعد الوظيفي له يتمثل في قضاء أوقات الفراغ، لذا أوصاه الأب ”بأن أترك حياة المقهى، وأبحث عن عمل”، أما في المدينة فتكتسب المقهى دلالة مغايرة مرتبطة بالغواية والسقوط، فها هي ست الدار ”ترتدي بنطلونا من الجينز وبلوزة شفافة وقصيرة أيضا، تضحك، ورنة ضحكتها خبز. ومازال النادل قائما بخدماتها على الوجه الأكمل، وتعطيه بسخاء”. في القرية كانت فتاة أحلامه، وفي المقهى عاين صورتها الجديدة، فتوهم أنه ينالها عبر حلم يقظة أفاق منه وقد تبدلت صورتها.
ونذكر أن رواية “جواز سفر” صدرت أخيرا عن دار ديير للنشر والتوزيع بالقاهرة.



