النسخة الرقميةثقافية

جهوريات «أناشيد الرائي» في ديوان وليد جاسم الزبيدي

محمد عبيد حسين الطائي

على عتبات الشعر الصادح صدح د. وليد جاسم الزبيدي بكلمات شديدة الحروف، بدموع معانيها، بعشق دلالاتها، بزمان حبكتها. عتبات الشعرية أيقظت مشاعرنا صوب صيحات الدلالات العميقة، فعبر تقنيات التقطيع الجملي لجزئيات النص، ندخل لديوانه من بين كلمات العنونة (أناشيد الرائي)، تلك الجملة دهرية الدلالة لارتباطها بإنسانية الإنسان، سيميائية التعبير ونحن ننطلق عبر بوابة تفكيك هذه العتبة.
فـ»أنا» «شيد» «الرائي» بدأت بالذات والانوية، وهي من حقوق الشاعر يحلم بها كيف يشاء، كجزء من إنسانيته، بيد أن المقطع الثاني «شيد» تضمن كل ما في الديوان، فدلالته اللغوية صوت لشيء تغنى له ويتغنى به، وطلاء على شيء ذاتي.
إذن تلك العنونة صوتيا جهورية الحروف والدلالة، لمن؟ لكل راءٍ.. من هذا الصيح الذي جعل في قلب الشاعر قيح، غرد الشاعر فوق كل عتبات قصائده، حملتك دمعا، دعوتك للرقص، صرخات كلا، خمرة الثوار، صيحات هتافات نفسية جسدية، هي معادل موضوعي لكل حروفه اللفظية، إنها كلمات حملت دلالات واضحة تراتيل ومنابر أطلقها فوق متاهات المشاعر، نطق بمقولات كثيرة، ناقلا عن الآخرين بقوله:
قالوا: عليل ما به إعياء
ونحيل جسم ليس فيه الداء
قالوا: طعاما قد يبدله هوى
تتغير الأوقات والأنواء
قالوا: كثيرا والحديث شجونه
والناس ألسنة لها وبلاء
فلعبة الألفاظ والحروف تنبئنا عن هواجس شديدة، امتلكت موضوعاتها إحساسات ومشاعر ذات شدة وقوة الصوت الدلالي المعانق لقوة الصوت الحرفي الفيزيائي المتجسدة في الحروف الشديدة «جهرا وهمسا»، أطلقت من قلم كاتبها معبرة تفكيرا شعريا جزئيا من اللغة النفسية مما تبعه، معنى قارب وليس معنى هارب، وهي من غوريات وجوانيات الشاعرالنفسية، فكثرة الحروف الواردة مثل «الباء» وحرف «الدال» مجهوران شديدان، وحرفا «القاف» و»والتاء» مهموسان شديدان، هذه الشدة الصوتية فيزيائيا، ما هي إلا جهد فكري توضح عبر فيض خلجات الشاعر، هي فطرة لا جدال فيها، قياسات إستقرائية إستنتجناها في كل دراساتنا. فالشاعر هنا كتب بجهد، إذ سادت العفوية، متصدرة حروفه الشديدة «جهرا وهمسا» وتطابقت مع مضامين القصائد القصدية كقصيدة (بغداد) وقصيدة (العراق) وغيرهما وهذا صدق تعبيري، لأن الذوق الفطري متطابق مع المضامين الصارخة في التعبير. كما في نماــذج من الابيات:
سأنتظر العراق متى يأتي؟
دهورا عاشها قلقا عراق
وقد سبي الحياء فلا حياء
وقد ذهب التآخي والوفاق
سأنتظر العراق فلا عراق
إذا ما غيرت سنن سياق
متى ما غيرت فينا نفوس
يجمع شملنا هذا العراق
إنَ سنن الكتابة والبداهة تكثر فيها حروف السهولة وهي: ل، م، ن، ر، ي، ا، و. إلاَ أنَ بداهة الشاعر أجادت في تكرار اثنين منها «الواو، الراء» أيضا، مما جعلها في سلم النغم الصوتي المحبوك بالتوكيدات النفسية والايقاعية: أي الفطرة والاكتساب من صفة هذان الحرفان التكرار/ التتابع الدلالي والنغمي. فالتوظيف أحد مضامير الشاعر، فالانتاج هنا، جعل الازاحه الشاعرية ممزوجة البدء/ والتقفية بالحروف الشديدة في القصائد مع تناغم قوة الذات الصوتية عبرالحروف التي ذكرناها «الباء» منها.
من النماذج لتوكيدات حرف «الواو» الشفوي مساهمته في نغمية البيت الشعري الحامل لموضوع التبعية الدلالية مع تبعية صوتية أرادها الشاعر هي (السهولة والبساطة)، لأنها من خصوصية هذا الحرف المستخدم في صرفيات الزيادة في الكلمات، فتكثيف الحرف نقرأه في بدايات الأبيات:
وتطاردوا وتساجلوا في حسنها
وترقرقوا غزل المها بركاب
وسنلتقيك حبيبة ونديمة
وستنهضين برغم كل خراب
ـ ـ
وتعطرت منها الرياض بنظرة
والنهر من تفاح خد قد نهل
ـ ـ
ويحلو ويحلو ابتسام العيون
وطيب العذوبة كالعبر
تلك نماذج قليلة من كثير. ومهما يكن، فالسرد باللسان لا يأتي على جميع الإمكان، لكن ها هي حدائق الحروف النغمية جسدتها رنات حرف الراء التي كثرت هي الأخرى بين كلمات الشاعر بتكرارها المؤكد للصوت المنشود لدى الشاعر.
فيا أيها المنشد إذهب واشعر بجهدك الشعري، لكل راءٍ وأنت المرئي وأنت صوت وصدى لأناشيد الرائي فوق سماء كلماتك. ففي ديوانك كلمات حسناء بعيدة عن رخص الألفاظ وأشرف من الكلمات العذراء.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى