المصادر والدلالة القرآنية
يُعدّ موضوع المصادر من الموضوعات المهمّة في علم الصرف, وقد تكلّم الصرفيون على المصادر وقسّموها على سماعية وقياسية, فذكروا أنّ مصادر الفعل الثلاثي سماعية مع أنّهم وضعوا لبعضها ضوابط من أجل حفظها, ومصادر الأفعال أعني (الرباعيّ, الخماسيّ, والسداسيّ) قياسية وبيّنوا أوزانها وأمثلتها. أمّا أصحاب المعجمات فذكروا المصادر في أثناء كلامهم على الموادّ المعجميّة, وفي بعض الأحيان زاد كلامهم على كلام الصرفيين في أبنية لم يحفظها الصرفيون في كتبهم, ومن جملة ما ذكره الصرفيون أنّ المصادر قد تتعدّد والفعل واحد كقولهم عن الفعل (لَقِيَ) مصدره (لَقْي, ولقاء, ولقيان), والفعل (مكثَ) مصدره (مَكْث, ومكوث) والفعل (وَجَدَ) مصدره (وَجْد, ووجدان, وموجدة, ووجود) ولم يدرسوا هذا التعدّد واختلاف دلالته، لكنَّ القرآن الكريم وضّح لنا هذه الدلالات المختلفة للمصادر المتعدّدة. من ذلك الفعل (ضَرَّ) له مصدران (الضُرّ) بالضمّ, و(الضَرّ) بالفتح, وكلاهما ورد في القرآن الكريم لكنَّ المعنى مختلف, فقد ورد (الضَرّ) بالفتح للدلالة على الضرر في كلّ شيء, كقوله تعالى: «لا يملكونَ لأنفسهم نفعاً ولا ضَرّاً» سورة الرعد: الآية 16. والضُرَ بالضم للدلالة على الضرر في النفس من مرض وهزال كقوله تعالى: «وأيوب إذ نادى ربَّه أنّي مسّني الضُرّ وأنتَ أرحم الراحمين» سورة الأنبياء: الآية 81. ومن هنا نستنتج أنّ الفرق بين الدلالتين على النحو الآتي: الضَر بالفتح عام, والضُرّ بالضمّ خاصّ.
وكذلك الفعل (كفرَ) له ثلاثة مصادر هي (الكُفْر, والكُفران, والكُفور) وقد وردت في القرآن الكريم بدلالات مختلفة. دلّت (الكُفران) على جحود النعمة في موضع واحد فقط في قوله تعالى: «فَمّنْ يعملْ من الصالحاتِ وهو مؤمنٌ فلا كفرانَ لسعيه» سورة الأنبياء: الآية 94. وهنا تدلّ على (الجحود) وتقابل (الشكر). أمّا (الكُفْر) فقد وردت للدلالة على معنى الكفر في الدين في سبعٍ وعشرينَ آية. أمّا (الكُفور) فقد وردت في مواضع منها «فأبى أكثرُ الناسِ إلّا كُفوراً) سورة الإسراء: الآية 89, سورة الفرقان: الآية 50. وقوله تعالى: «فأبى الظالمون إلّا كُفورا» للدلالة على احتمال الجحود والكفر في الدين فكانت أعمّ من البناءَين المذكورين.
أمّا الفعل (صامَ) فله مصدران (الصوم, والصيام) وقد وردت في القرآن الكريم لأنّ دلالتهما مختلفة. فالصوم وردَ في آية واحدة للدلالة على الصمت والانقطاع عن الكلام فقط كقوله تعالى: «إنّي نذرتُ للرحمنِ صوماً فلن أكلّمَ اليومَ إنسياً» سورة مريم: الآية 26. أمّا (الصيام) فقد ورد في تسعة مواضع للدلالة على العبادة المعروفة أي: الانقطاع عن الطعام وما يترتّب على الصيام من أمورٍ قد ذكرها الفقهاء في كتبهم. وكذلك الفعل (صدًّ) له مصدران (الصَدّ والصدود) وقد وردا في القرآن الكريم ولكلِّ دلالته الخاصّة به, علماً أنّ الصرفيين لم يتكلّموا في دلالة هذه المصادر. (الصَدّ) ورد للدلالة على معنى (المنع) كقوله تعالى: «يسألونكَ عن الشهرِ الحرامِ قتالٍ فيه قُلْ قتالٌ فيه كبير وصَدٌّ عن سبيل الله وكفرٌ به» سورة البقرة: الآية 217. أمّا (الصدود) فقد ورد للدلالة على معنى (الإعراض) كقوله تعالى: «وإذا قيلَ لهم تعالوا إلى ما أنزلَ الله وإلى الرسول رأيتَ المنافقين يصدّون عنكَ صدوداً» سورة النساء: الآية 61. والكلام طويل على هذا الموضوع الشائق يحتاج إلى صفحات كثيرة.
أ. د. عليّ حسن مزبان



