النسخة الرقميةثقافية

السيرة الذاتية في رواية «نيران ليست صديقتي» للروائي كاظم الشويلي

عبد الكريم إبراهيم

يحاول الإنسان دائما أن يكون هو نفسه مصدر إلهام قصصه وحكاياته، لذا يعمل على توظيف تلك المشاعر الخاصة على شكل شحنات أدبية يتعامل معها في الكثير من الأحيان بحرفية عالية. لعلَّ رواية (نيران ليست صديقتي) للكاتب والروائي كاظم الشويلي الصادرة عن دار الورشة الثقافية ببغداد تعدُّ نموذجاً جيدا في توظيف السيرة الذاتية، ونقل تفاصيل دقيقة لأنَّ بطل الرواية الكاتب نفسه، وما عليه سوى أن يقوم بسرد التفاصيل بشكل أدبي احترافي يعالج قضية معينة، لأن السيرة الشخصية ليست سوى سرد دون وجود قضية تتمحور حولها الرواية.
الشويلي في (نيران ليست صديقتي) قد يبتعد أحيانا عن فن الرواية ليغمس في فن السيرة. ربما وراء هذا الاندفاع رغبة الكاتب بالبوح بخلجات الذاتية، وأشبه ما تكون عملية تفريغ لشحنات كامنة وجدت سبيلها على الورق «شرعت أسرد لها في الفصل الجديد وأحدّثها عن تلك الأيام إذ البساتين الجرداء الحزينة» ص 23. اذا وضع الكاتب نفسه في مأزق شديد في أن جعل نفسه بطلاً لروايته والتحدث بصيغة المتكلم. لذا نجد الأنا حاضرة في أغلب جمل وحوارات الرواية. حاول كاظم الشويلي أن يخلق جوا جديدا للتخلص من هذا السرد من خلال ربط الحاضر بالماضي، مع استخدام تقنية السؤال والجواب لتحفيز القارئ لأنَّ في عيشه بقية التفاصيل «متى تنهي روايتك الجديدة يا كاظم؟» ص 22، و»صباح الخير على عيونك صديقي كاظم».. الخ من الجمل التي نوه عن اسمه الصريح في كونه بطلا روائيا. دقة التفاصيل وشريط مدة الأسر التي عاشها الكاتب في القرن الماضي جعله يبتعد عن حرفية الوصف. ربما كان يريد أن يشبع غريزته عن تلك المرحلة التي تعدُّ البداية الاولى في نضوجه الأدبي «لكنّكم لا تقدرون ابداً ان تتخيلوا السعادة التي عشت طعمها والى اللحظة عندما نادني الشيخ صالح مسؤول المكتب وأعطاني مفتاح المكتبة» ص 81.
السرد الشخصي هو الذي جعل الكاتب صادقا في تفاصيل حياته، لأنه لا يستطيع أن يختبئ خلف بطل ما، بل هو نفسه الرواي والبطل لذا كان يميل الى استخدام بعض المفردات التي نلمس من خلالها صدق تلك المشاعر إذ يحتاج الإنسان في الكثير من الأحيان ان يكون أميناً في عدم كشف بعض الجزئيات حتى الى اقرب الناس «تحدثني نيران وأنا أُمسك بلحيتي البيضاء».
العلاقات الإنسانية في هذه الرواية تكاد تكون واضحة من خلال شخوصها: الأصدقاء، الزوجة، رفاق الأسر، سائق السيارة، ولكن المفارقة تكمن في الخداع الذي مارسته (نيران) التي أظهرت في البداية ملاكاً سماوياً «مولاتي نيران» ص 70، ويتحول هذا الملاك في نهاية الرواية الى مجرم استدرج أغلى إنسان الى حبل المشنقة «استدرجت زوجها الى بغداد بسبب دافع الغيرة من زوجته الثانية» ص 156.
لا شكَّ ان رواية (نيران ليست صديقتي) سلطت الضوء على مرحلة زمنية كانت بحاجة الى دراسة وتعمق، ولا سيما أنها أخذت من حياة العراقيين الكثير من الاشياء، ولا بد من جيل اليوم ان يعيش بعض تفاصيلها، ويتذكر لوعة الحرب وما تجنيه من ويلات ومآسٍ، لان الحرب لا منتصر فيها، حتى الذين يرفعون راية النصر؛ لأنها جاءت على أرواح الكثير من الناس الذين ما زال بعضهم مصيره مجهولاً حتى اليوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى