مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي
لطيف عبد سالم
70
لقد قُدِّر للسَماويّ يحيى أنْ يعيشَ محنة اغتراب مريرة، بعد أنْ رحلَ عَنْ وطنِه، مخلفاً وراءه أحبة وَذكريات طُفولة وَشقاوة صبى، وَحاملاً فِي ذاتِه معاناته الَّتِي ألجأته إلى الاغترابِ عَنْ ذويه وَعذب فرات سَماوتِه وَفَيْء نخليها الَّذِي لا يظن أنَّه سوف يرى مثله فِي غيرِ مدينته أو جنته الأرضية مثلمَا يشير إليها بشكلٍ دائم مِنْ منفَاه القسريّ، فضلاً عَمَا استجد مْنْ ألمٍ وَمعاناة فِي بلدانِ المهجر؛ إذ ليس هناك مَا هو أشد مرارة عَلَى المرءِ مِنْ تركِ وطنه وَمسقط رأسه مكرهاً، فلا غرو أنْ يعكس عشقه وطنه بمدادٍ يرسم مِنْ خلالِه لوحاتٍ بارعة التشكيل، أنيقة ألوان الوجد، محكمة ظلال الرُؤْيَة؛ لأنَّ مفرداتِ شعره تخرج صافية مِنْ أعماقِ قلبٍ جُبِل صاحبه عَلَى حبِ وطنه، حيث يمكن الجزم بأنَّ مدحَ السَماويّ يحيى وطنه بالمعبرِ والجميل مِنْ القريضِ، وتخليده مآثر شعبه وَأمجاده بقصائدَ شعريةٍ طافحة بألحانٍ وإيقاعات وجدانية فِيها عذوبة وَحلاوة، إلى جانبِ اعتماده مَا ينتمي إلى مدرسةِ «السهل الممتنع»، وَالَّذِي ساهم فِي بلوغِه عتبةً عالية مِنْ الشاعريةِ وَالعمق وَالبلاغة اللغوية، يعبر فِي مجمله عَنْ الإحساسِ بالانتماءِ للوطن. وَهي مناسبة لتذكيرِ الأدباءِ وَالكتاب وَالفنانين وَغيرهم مِن النخبِ الثقافيَّة حول ضرورةِ الشروع بِإِنْتَاجِ أعمالٍ ثقافيَّة وَفَنِّيَّة بوسعِ مضامينها المُسَاهَمَة فِي تعزيزِ الثَّقَافَة الوَطَنيّة وَترسيخِ قيم التماسك الاجْتِمَاعِيّ، بالإضافةِ إلى استحضارِ كُلِّ مَا مِنْ شأنِه المعاونة فِي تعزيزِ اللحمة الوَطَنيّة، وَغرس مشاعر الألفة وَالولاء وَالانتماء الوَطَنِيّ فِي نفوسِ النشء الجديد. وَلا نبعد عَنْ الصَوَابِ إذا قُلْنَا إنَّ نتاج السَماويّ خلد حب الوطن فِي الكثيرِ مِنْ قصائده، ولعلَّ مِنْ بَيْنَ الدراسات الآكاديمية الكثيرة الَّتِي تناولت هذه الجزئية المهمة، هي دراسة الباحثة العراقية هدى مصطفى طالب الأمين لنيل شهادة الماجستير الموسومة «البنية الدرامية في شعر يحيى السَماويّ»، وَالَّتِي مِنْ بَيْنَ نتائجها الأربع عشرة، مَا يعزز بحثنا فِي هَذِه الفقرة بالذات، حيث خلصت الأمين فِي إحدى النتائج المتحصلة مِنْ دراستها المذكورة آنفاً إلى مَا نصه «يتضح الصراع الخارجي في إشكاليته مع الاحتلال والسلطة الحاكمة وضياع الوطن والشباب، ومما يلفت الانتباه إن الوطن يمكن أن يكون محور الصراعين الداخلي والخارجي، حيث تتصل المرأة اتصالاً وثيقاً بالوطن ويصعب الفصل بينهما، وكذلك نجد التماهي بين المرأة والوطن، ويمكن أن نعده مظهراً من مظاهر الصراع الخارجي، حيث يرفض الاحتلال أو ضياعه على أيدي الحكام المستبدين، فضلاً عن ذلك يجسد الشاعر الصراعين – الداخلي والخارجي – وذلك من خلال تقنية المفارقة والمونتاج». ولعلّ مِن المناسبِ أنْ أشير هُنَا إلى مَا سجلته الأمين فِي مقدمة رسالتها آنفاً، وَالَّتِي جاء فِيها تالياً «إنَ للشاعر العراقي يحيى السماوي مكانة متميزة في الحياة الثقافية العربية المعاصرة، حيث يتمتع هذا الشاعر بذكاء وحذق شعريين مكّناه من النهوض ببنية قصيدته إلى درجة عالية من الفنية والتميز، إذ مكنته مواهبه المتعددة في كتابة – الدراما – من أن ينجز نكهة خاصة امتاز بها عمله دائماً، ولاسيما أن معظم أعماله جاءت نتيجة لهذا المسعى المحفوف بالمخاطر الإبداعية بين هموم الحياة وطموح الكتابة، للارتقاء باللغة العربية وإن كان شكلياً إلى مجاراة العصر، وقد مكنه ذلك من أن يقدم نفسه للقارئ بوصفه شاعراً مجدداً وعلى أكثر من صعيد». وتضيف الأمين أيضاً مَا نصه «تكتنز نصوص يحيى السماوي عناصر الدراما نتيجة لامتلاكه هذه الرؤية المركبة في الشعر والدراما، مما يطبع نصوصه بطابع خاص فيه الكثير من المميزات المستقلة المشبعة بالدراما».
بُــلِــيْــتُ بـمُــسـتــلــذَّاتِ الـلــيــالـي
فـكـنـتُ ضـحِـيَّــتـي .. فـأنـا وَبـالـي
وأغـوانـي الـشــبـابُ .. فـلـيـتَ أنـي
قـفـزتُ مـن الـشـبـابِ الـى اكـتـهـالِ
تـحَــرِّضـنـي خـطـايَ عـلـى دروبٍ
تُــقــايــضــنـي الـحـجـارةَ بـالـلآلـي
لَـهَـوْتُ عـن الـصـبـاحِ بـأنـسِ لـيـلٍ
وبـالــكـأسِ الــسَّـرابِ عـن الــزلالِ
الشَّاعِرُ وَالناقد وَالروائي الراحل الدكتور غازي القصيبي «طيب الله ثراه»، ضمن كتابه النقدي «صوت من الخليج»، دراسة قيمة عَنْ شاعريةِ السَماويّ يحيى وَسمها بـ»يحيى السماوي هذا الطائر الجريح المغرد». ولأهميةِ هَذِه الدراسة، أجدني بعد أنْ استسلمت لدموعي شغوفا للفتِ انتباه القارئ الكريم بمضمونها وَكما مبين تالياً «منذ سنين طويلة، وأحسبني كنت في المدرسة الثانوية وقتها، قرأت في كتاب مثير من كتب الناقد الساخر مارون عبود عبارة مثيرة نسبها إلى أديب فرنسي شهير. سقط اسم الكتاب، وإسم الأديب الفرنسي، من ثقوب الذاكرة وبقيت العبارة «الشعراء الكبار نادرون، بل انهم أندر من العلماء الكبار»، وصف «الكبار» يخيفني، فالشاعر قد يكون كبيراً في الحجم، ولا مبرر للأمثلة! وقد يكون كبير المقام، والأمثلة كثيرة. كما أن تعريف «الشعراء» قد يكون محل أخذ ورد، وبالتعريف الواسع، لا توجد ندرة في الشعراء بين العرب. مؤخرا، أعلن القسم العربي بهيأة الإذاعة البريطانية عن مسابقة للشعر فتقدم اليها مئات الشعراء من أقصى الوطن العربي الى أقصاه. وعدد الأمسيات الشعرية في الأمة العربية لا يكاد يعادله إلا عدد المؤامرات على هذه الأمة. فلنعدل إذن عبارة صاحبنا الفرنسي الذي ضاع إسمه ولنقل: أن «الشعر الحقيقي نادر». من هنا يجيء فرحي كمتذوق يتوهم انه يستطيع التفرقة عفويا بين النظم والشعر إذا إلتقيت ببيت رائع، أو مقطع مؤثر، أو قصيدة نابضة. ومن هنا يجيء حرصي على أن يشاركني الفرح أكبر عدد ممكن من الناس. إليك إذن أيها القارئ العزيز باقة من الشعر، الشعر الحقيقي النادر، من بستان الشاعر العراقي يحيى السماوي. أنظر كيف تتفجر الغربة شعراً في قوله:
أكاد حتى رفات الميت أحسده
غداة يملك أرض القبر في بـلــدي
وقوله:
وطني؟! يُقال بأن لي وطناً فما
أبصرته.. إلا وقيدي في يــــدي
وأراه أحيانا ينام كطعـنـــةٍ
فوق الخرائط.. أو بصوتِ المنشد
قال أبو سهيل: اذهب أيها السماوي فلم يسبقك إلى «طعنة فوق الخرائط» أحد! وأسمع خوف الشاعر إذا عاد إلى وطنه في يوم لا ريب فيه، بإذن الله، فلم يعرفه أحد:
أتعرف عاشقا قد كان طفلاً غداة مضى.. وجاء به المـشيبُ؟!
غـداً آتي.. فلا شفة تغني مواويلي.. وتنكرني الـــدروبُ
وتطفـأ ضحكة كحفيف زهرٍ ويومـئُ نازل «هذا غريــبُ»!
وفي الغربة يقدم الشاعر النازح أروع التحيةِ الى الوطن المعطاء الذي استضافه شقيقا قريبا من شغاف القلب.
يقول عن مكة المكرمة:
حجَـت لها قبل الأنام سماؤها بحجيج ســجيل على سُلابهــا
أرض تكاد لفرط عزة رملهـا يروي عطاشى الماء وهِجُ سرابها
قال أبو سهيل: ولم يسبقك أحد من شعراء أم القرى ولا من حولها في «حجيج السَجيل»، ويقول عن أبها الحسناء:
نسلت من الشجر الوريق ضفيرة ومن الجبال الشاهقات ســريرا
ومــن النجوم قلادة بدويــة ومن الغيوم الطيبات بخـــورا
قال أبو سهيل: لا يُقدر الشطر الأول من البيت الأول قدره إلا أهل الخليج الذين يتحدثون، حتى بلغتهم العامية، عن فتاة «تنسل شعرها».ماذا عن قلب العاشق في الغربة؟!
يدعي شاعرنا أنه لا يستطيع أن يحب إمرأة ما دام بعيدا عن وطنه، وأنه سيؤجل الحب حتى العودة:
لو كان لي بيتي ولي وطني لم أتخذ غير الهوى نسبا
إلا أن إدعاء الشاعر يذكرنا بتصريح الأخطل الصغير:
كذب الواشي وخـــاب من رأى الشاعر تــاب؟!
وصدق الأخطل الصغير!
هذا هو شاعرنا ينظر إلى ابنة العشرين متحسراً:
وأوَاه كم يؤلم هذا الشجن هنا:
قد اعتنقتِ من الدنيا مباهجهـا اما أنا فهموم النـاس أعتــنقُ
لقد شربتُ.. ولكن لا كما شربوا وقد عشقتُ.. ولكن لا كما عشقوا
وهنا:
فإذا إقتلعت الرمح من جسدي غرس الأسى رمحين.. والوطن
أفكلما نفّضت مركبتــــي.. نفضت عليَّ جراحها المُـدُن؟!
وبعد:
تحية شكر عميق للأديب الصديق عبد المقصود خوجه الذي نشر للشاعر مجموعة «قلبي على وطني». وتحية شكر عميق لنادي أبها الأدبي الذي نشر مجموعة الشاعر الأخرى «من أغاني المشرَد».
أما أنت أيها الطائر الجريح فقد أوشكت عيني تدمع وأنا أقرأ:
غداً إذا غفوتَ.. من يا ترى يسقي حقول الورد من بعدي؟!
لا أدري يا أخي..
لا أدري!
جرّبتِ عاج الموسرين.. فجربـي طين الفقير.. وإن جفاه بريـقُ
أغويتني بالحسن.. وهو طريدتي فطرقتُ.. لكن صدني المطروق
فرقتِ ما بيني وبيني فاجمــعي بعضي إليَّ.. أضرني التفـريق
قال أبو سهيل: لا يلومن كهل أحب إبنة العشرين إلا نفسه!
وإليك هذا المشهد الطريف في الطائرة:
كشفت لترشف قهوة فإذا الدجى صبحُ طري الضوء غض المنهل
وجه يفيض عليه نهرُ أنوثــة ونسيمُ غاباتٍ.. وشقرة ســنبل
صرخ شاعرنا في المضيف:
بالله يا هذا المضيف.. لحظــة! زدني! ولا تبخل علي فأجمـل!
لا لن أخضَ يدي سأشرب «دلة» إن كنت في فنجانها ستصب لـي
لا أدري ما فعل المضيف، ولا ما فعلت «الدلة» ولكني أعرف أن هذه الأبيات تكاد تكون الابتسامة الوحيدة في «ليل الشجن» كما يقول شاعرنا محمد الفهد العيسى.
ترى لو أمد الله تعالى بعمرِ القصيبي، فماذا يكتب لو قدّر له أنْ يقرأ بوح السَماويّ فِي سداسيته التالية:
يــا مَــنْ لُـــمــاهُ قـــرَنْـــفُـــلٌ وخُــزامــى
أنــا مــا طــلـــبْـــتُ سُـــلافــةً ومُــدامــا
قـد جــئــتُ أســتـجـدي زفــيـرَكَ لا طِـلاً
وعــصــيــرَ أعـــنــابٍ تـعَــتَّــقَ عــامــا
أدمــنــتُ فــيــكَ تـــبـــتُّــلاً فــأنــا امــرؤٌ
عَـــفٌّ.. ومـــثــلـــكَ أنــبـــذُ الآثــامـــا
إنْ كـانـتِ الـقُــبُـلاتُ تـُـفـطـِـرُ صـائــمــاً
أو كـانَ رشـــفُ نـدى الــشـفــاهِ حَـرامــا
فهـلِ الـعـنـاقُ ضُحىً سَــيُـفـسِـدُ مُـمْـسِـكـاً
مـا ذاقَ مـن بـعــدِ الــسـحـورِ طـعــامــا؟
فــتـوايَ: شَــمُّ الـوردِ لـيـسَ بِـمُــبـطِــلٍ
فـي شــرعِ عـشَّـاقِ الــورودِ صِــيــامـا



