قراءة في كتاب «ابنُ عَذَاري المَرَّاكُشي.. ذاكرة الفكر التاريخي بالغرب الإسلامي» للدكتور محمد على دبور

أبو الحسن الجمال ـ مصر
يعدُّ ابن عذاري المراكشي أحد المؤرخين الكبار المعروفين منذ بداية النصف الثاني من القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي وحتى بداية الربع الأول من القرن الثامن الهجري/ الرابع عشر الميلادي، وكما يدل لقبه فهو مؤرخ مغربي سكن مدينة «مَرَّاكُش»، ولكنه ذو أصول أندلسية كعادة غيره من المؤرخين الأندلسيين الذين نزحوا إلى مدن المغرب واستقروا بها ونُسبوا إليها، بعد أن ساءت أحوال المسلمين في الأندلس.وكتابه «البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب» من أهم المؤلفات التي أرخت للغرب الإسلامي كله بصفة عامة، و(المغرب والأندلس) منه بصفة خاصة منذ الفتح الإسلامي حتى بدايات دولة بني مرين، ويُعدُّ كذلك من أوسع هذه المؤلفات وأشملها وأدقها، وترجع أهميته إلى سببين أساسين:
أولاً: ما نقله من نصوص تاريخية كثيرة عن مؤرخين كبار لم نعثر على مؤلفاتهم، وبعضهم لا نجد لهم ذكرا ولا نعرف عنهم شيئا إلا من خلال كتاب ابن عذارى، وعدد المؤرخين الذين ورد ذكرهم عند ابن عذارى ونقل عنهم يفوق بكثير ما ورد عند غيره من المؤرخين الكبار.
ثانيًا: تعليقه على كثير من الأحداث ونقده لها وتفسيره لبعضها وتصحيحه للبعض الآخر منها، فلم يكن مجرد ناقل أو كاتب للأحداث التاريخية، وإنما يضع رأيه في الحادثة حين يجد أن ذلك مناسب ومفيد، بالإضافة إلى إيراده كثيرا من التفاصيل الدقيقة لهذه الأحداث.وبرغم أن كتاب «البَيَان المُغْرِب في أخبار الأندلس والمَغْرِب» لابن عذاري المراكشي يعدُّ من التواريخ المحلية الإقليمية، إلا أن مفهوم الإقليم عنده كان أوسع كثيرا، حيث استوعب في كتابه جل أقطار الغرب الإسلامي كاملاً منذ الفتح الإسلامي حتى ما بعد منتصف القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي.
ومصطلح الغرب الإسلامي الذي استوعبه ابن عذاري في كتابه يشمل كلا من شمالي أفريقيا والأندلس، ويضم كل البلاد التي دخلها الإسلام ـ وبقي فيها أو لم يبق ـ في الجناح الغربي من العالم الإسلامي، وهذه البلاد تنقسم إلى خمس مناطق رئيسة:
1. المغرب: ويشتمل على بلاد الشمال الأفريقي المختلفة الممتدة من حدود مصر الغربية إلى المحيط الأطلسي.
2. الحوضان الأوسط والغربي للبحر المتوسط: ويدخل في ذلك كل جزائر البحر المتوسط الواقعة في هذين الحوضين مثل: صقلية وقوصرة وقرسقة والأراضي الأوربية القريبة منها مثل: جنوب إيطاليا وما قرب منها من الجزائر مثل: مالطا وسردينيا.
3. الأندلس: ويراد به الأراضي التي سيطر عليها المسلمون من شبه الجزيرة الأيبيرية، وتتبعها الجزائر الشرقية المعروفة بجزر البليار.
4. الصحراء الأفريقية: التي تقع جنوبي المغرب، والتي تعدُّ أحيانا جزءا من المغرب، ولكنها في الحقبة الأخيرة قُسِّمت سياسيًّا إلى جمهوريات مختلفة، وظهرت بها بلاد إسلامية لها شأنها مثل: تشاد والنيجر وفولتا وما إليها، وكلها تدخل ضمن ما نسميه بالغرب الإسلامي.
5. غرب أفريقية الإسلامي: ويدخل في نطاق الغرب الإسلامي البلاد الإسلامية في أفريقية الغربية المدارية والاستوائية، وتسمى أيضا بلاد السودان الغربي، وهي بلاد لها تاريخ سياسي وحضاري طويل في ظلال الإسلام.كل هذه النواحي تدخل ضمن الجناح الغربي للعالم الإسلامي والمصطلح على تسميته بالغرب الإسلامي والذي يمتد طولاً من برقة وطرابلس شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا، وعرضًا في الصحراء جنوبًا إلى بلاد الأندلس شمالاً، وهي منطقة لها بنية جغرافية وتاريخية متميزة يطبعها التنوع والاختلاف في إطار وحدة تكاملية كان لها انعكاس واضح وكبير على حضارتها وتاريخها الطويل منذ الفتح الإسلامي وحتى نهاية العصر الوسيط.وقد صدر مؤخراً كتاب «ابنُ عَذَاري المَرَّاكُشي ذاكرة الفكر التاريخي بالغرب الإسلامي» للدكتور محمد علي دبور أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية في كلية دار العلوم جامعة القاهرة والأستاذ المشارك بجامعة أم القرى بمكة المكرمة، والحاصل على درجة الدكتوراه من جامعة مدريد المركزية (كومبلوتنسي) بأسبانيا … وللمؤلف مؤلفات وأبحاث رائدة في مجال الأندلسيات..فحصل على درجة الماجستير بعنوان «الدور السياسي والاجتماعي للعلماء في الأندلس في عهدي المرابطين والموحدين، والدكتوراه بعنوان «الأسعار في المغرب والأندلس ﴿ق 7 – 9 هـ/ 13 – 15 م﴾«، وخلال رحلته مع البحث العلمي أنجز العديد من الأبحاث، وقد قسَّم المؤلف الكتاب إلى مقدمة وأربعة فصول، ثم ختمناه بذكر قائمة كاملة بمصادر الكتاب ومراجعه المتنوعة:
الفصل الأول وعنوانه: ابن عذاري المراكشي وبيانه المغرب، عرض فيه المؤلف لترجمة المؤرخ ابن عذاري المراكشي في حدود المعلومات المتاحة عن كنيته واسمه ولقبه وتاريخ وفاته وأهم مؤلفاته، ثم ذكر لمحة عن (البيان المغرب) وطريقة ترتيبه؛ فذكر عنوان الكتاب والخلاف حوله، وكذلك خطة الكتاب وتقسيماته.
وجاء الفصل الثاني تحت عنوان: المغرب الأقصى والأندلس في عصر ابن عذاري، تحدث فيه عن المغرب الأقصى والأندلس في عصر المؤرخ ابن عذارى من الناحيتين السياسية والثقافية، وذلك بغرض التعرف على البيئة التي عاصرها مؤرخنا، وتعايش مع أحداثها، وتفاعل معها وانفعل لها، وكان له رأي فيما يجري حوله من ظروف وتقلبات أفرزت في النهاية هذا السفر القيم في تاريخ الغرب الإسلامي، خاصة (المغرب والأندلس).أما في الفصل الثالث الذي جاء تحت عنوان: منهج ابن عذاري في الكتابة التاريخية، فتناول فيه المؤلف منهج ابن عذاري المراكشي في الكتابة التاريخية، كما ذكر أهم عناصر هذا المنهج وما يتميز به بما يكشف عن مواهب ابن عذارى وملكاته المتنوعة في رصد وتحليل الأحداث التاريخية، وكذلك أسلوب كتابته المتميز والدقيق في صياغة مادة هذا الكتاب.وفي الفصل الرابع وعنوانه: مصادر ابن عذاري المراكشي وموقفه منها، تكلم فيه عن مصادر ابن عذارى المتنوعة وموقفه منها، وقد قسم د.دبور هذه المصادر إلى خمسة أنواع؛ هي: المصادر الأندلسية، والمصادر المغربية، والمصادر المشرقية، وكتب العجم ومصادر أخرى مبهمة، ثم أخيرا الرواية أو السماع، وأفرد لكل نوع منها مبحثًا خاصًّا بها، ذاكراً المصادر المفقودة أولاً ثم المطبوعة من كل نوع حسب ما توصل إليه من معلومات عن كل نوع منها، وأعطى اهتمامًا خاصًّا لأهم ما أفاده ابن عذارى من هذه المصادر على تنوعها وتعددها، بما يكشف عن قيمة المادة العلمية التي احتفظ لنا بها ابن عذارى في كتابه هذا، خاصة تلكم المادة المأخوذة من مصادر فقدت ولم يعد لها وجود إلا بما نقله ابن عذارى وغيره من المؤرخين عنها، ثم ذكر موقفه من هذه المصادر وتقييمه لها ولأصحابها.



