النسخة الرقميةثقافية

الضرورة الشعرية بين النحاة والبلاغيين

1

اختلف أهل العربيّة في تعريف الضرورة الشعرية فذهب بعضه إلى أنّها ما وقع في الشعر ممّا لا يقع في النثر ممّا لم يكن للشاعر بدٌّ ولا مدفع له. وقال آخر: «إنّها ما وقع في الشعر سواءاً أكان للشاعر بدٌّ منه أم لا». ويرى أبو حيّان الأندلسيّ أنّها لغة الشعر بقوله: «إنّما يعنونه بالضرورة إنّ ذلك من تراكيبهم الواقعة في الشعر المختصّة به ولا يقع في كلامهم النثري وإنّما يستعمل ذلك في الشعر خاصّة دون الكلام». وتُعدّ معرفة الضرورة الشعرية شيئاً مهمّاً لمَنْ أخذ على نفسه معاناة النظم إذْ بوساطتها يتعرّف مدى إتاحة اللغة للبناء الشعري الذي تقبّله اللغويون ثمّ يُحكّمُ ذوقه فيما ينتقيه منها حين يضطرّه النظم إلى ذلك, ولقد دخلت الضرورة ميادين البحث اللغوي والنحوي والنقدي.
دخلت ميادين اللغة لأنّ الضروة تدفع الشاعر إلى تغيير صورة اللفظ حذفاً أو زيادةً أو عدولاً عن القياس في بناء الأبنية إلى ما يخالفه, وقد تناول الباحثون في اللغة ذلك ونبّهوا عليه ومن أجل هذا كانت الأبيات حرّفتها الضرورة في القياس اللغوي ميداناً فسيحاً لنظر النحاة وتأويلاتهم فأُدخلت ضمن الخلاف النحوي إذ كان كل طرف ينسب جملة ما صرّح به الطرف الآخر إلى أثر الضرورة.
أمّا في مجال البلاغة والنقد فقد كان نقّاد الشعر ينظرون إلى هذه الضرورات نظرة ذوقية فينبّهون على الحسن المقبول منها ويُشيرون إلى القبيح المرذول لكنّ اللغويين والنحاة كانوا أحفل بالضرورات من البلاغيين لأنّهم كانوا يرصدون ظواهر ويعنون بكلّ تجوّزه الشواهد المعتبرة ويديمون النظر فيه في حين كان البلاغيون يُنشدون الإجادة ويتشوّفون أنْ يكون النصّ جيّداً مبرّأً من كلّ عيب. من ذلك نجد ابن جنّي يقول: «واعلمْ أنّ الشاعر إذا اضطرّ جازَ له أنْ ينطق بما يبيحه القياس وإنْ لم يرد به سماع, ألا ترى إلى قول أبي الأسود الدؤليّ:
ليتَ شعري عن خليلي ما الذي
غالَهُ في الحبِّ حتّى وَدَعَهُ
و(وَدَعَ) هنا بمعنى (تركَ) والمستعمل منه الماضي, ولا أدري كيف كان ابن جنّي يوجّه قراءة مَنْ قرأ من قرأ: «ألم نشرحَ لك صدرك» بنصب الفعل (نشرحَ) وغيره كثير من شعر العرب ممّا خرج عن القياس. وهنا نرى أنّ ابن جنّي يُبيح للشاعر أنْ يعمد إلى ما نبذته اللغة من أبنيتها فيضمنه شعره عند الخروج على الأبدنية.
أمّا البلاغيون فيقفون من الضرورات موقفاً مناقضاً لما ذهب إليه ابن جنّي ويدعون إلى اجتناب الضرورات كلها على الرغم من من إجازة أهل اللغة لها وهي عندهم قبيحة تشين الكلام وتذهب بمائه كما صرّح بذلك أبو هلال العسكري في كتبه, وكذلك يذهب ابن رشيق القيرواني في كتابه (العمدة) إلى إنكار الضرورات ويعدّها مغمزاً ينبغي للناظم المحدث أنْ يتجنّبها ويبرّئ شعره منها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى