النسخة الرقميةثقافية

مــرافــئُ في ذاكرة يحيـى السماوي

لطيف عبد سالم

68

فِي دراستِه الموسومة «يحيى السماوي الامتداد العضوي لفخامةِ القصيدة العمودية»، يشير الشَّاعِر العراقي عبد الستار نور علي المقيم فِي السويد، إلى «إن المتابع لشعرِ السماوي يجد عنده المحافظة الصارمة على شكل القصيدة العمودية بشروطها الفنية من خيال وعاطفة متأججة واسلوب راقٍ يحافظ على السلامة اللغوية والجزالة اللفظية والفخامة التعبيرية والشكلية المعتمدة على الوزن والقافية واللغة السليمة الحريصة على النحو والصرف والبلاغة العالية التأثير. وللعلم فإن شاعرنا الكبير يكتب أيضاً شعراً حراً – شعر التفعيلة – مع المحافظة على الوزن والقافية والجزالة وقوة السبك والمبنى اللغوي». وحول مَا يطرقه السَّماويّ يحيى مِنْ موضوعاتٍ فِي منظومتِه الشِعْريَّة يقول علي أيضاً «يتناول شاعرنا الكثير من الموضوعات بجمالية عالية التأثير من خلال خيال خصب ولغة جميلة جزلة فخمة الايقاع ووزن يتناسب مع المضمون. تناول الحنين الى الوطن، ومعاناة الغربة، مقارعة الاحتلال والفساد السياسي، الدفاع عن الوطن والأمة. ومن أجمل ما يمكن أن نقرأ له هو الغزل أيضا. ففي غزلياته نجده فتىً غِرّاً مليئاً بالعاطفة الحارة الملتهبة حد الرغبة الجامحة المندفعة. فلو لم نعرف أنه كهلٌ اشتعل رأسه شيباً لقلنا نحن أمام صبيٍّ فتنه العشق وسلبَ لبهُ الغرام وأشعلَ صدره الهيام فأهاج بلابله». وَلا يسعني هُنَا إلا القول: بأنيّ استمتعت بقراءةِ تلك الدراسة المبهرة، وَالَّتِي أقطف مِنْها أيضاً بحدودِ البحث مَا نصه «الشاعر الكبير يحيى السماوي المواصل خط عالم وفن عمود الشعر، مع انه مجددٌ فيما يستخدم من مضمون وشكل يتسم كثيراً بالرقة في اختيار اللفظة، وبالحديث في تناول المضامين. وفي كل ذلك تسعفه موهبة فذة وشاعرية متألقة وثقافة تراثية غزيرة وتمكّن من اللغة كبير. وشعره واسع لا تكفيه هكذا عجالة في التناول».
ســألـتـنـي ربَّـةُ الـحـانـةِ والـمـحـرابِ
والـمـشـحـوفِ والـنـهــرِ الأنـوثـيِّ الـذي شاربُـهُ
يُـبـعَـثُ حَـيَّـاً إنْ هَـلَـكْ:
كـيـفَ جِـزتَ الأبـحـرَ.. الأنـهــرَ..
والـبـيـدَ الـصـحـارى..
أبــســاطُ الـريـحِ نـحـوي حَـمَـلَـكْ؟
أمْ هـو الـحُـلـمُ
وقـد «شُــبِّـهَ لـكْ»؟
ولـمـاذا جـئـتـنـي فـي آخـرِ الـعـمـرِ
لـتـغـوي بـتـلـتـي الـمـعـصـومـةَ الـلـوز؟
أجِـبـنـي: مـا الـذي أعـنـيـهِ لـكْ؟
قـلـتُ:
يـا مـولاتـيَ الـمـائـيَّـةَ الـنـيـرانِ
أسـرى بـيْ الـى فـردوسِــكِ الـعــشــقُ
وهـا قـلـبـي عـلـى شـرفـةِ عـيـنـيـك
فـهـل تـأذنُ مـولاتيْ فـآوي
مـنـزلَـكْ؟
أنـا ـ يا ســبـحـانَ مَـنْ قـبـلَ وصـولـي قـمَّـة الـعـمـرِ ـ
بـعـيـنِـي أنْـزَلـكْ
ضـائـعٌ مـن قـبـلِ أنْ أُولَـدَ..
حـيٌّ وقـتـيـلٌ ..
فـعـسـى أنَّ الـذي يـعـرفُ مـا أُخـفـي
لأجـلـي أنـزلّـكْ
قِـبـلَـةً لـلـقـلـبِ
تُـفـضـي بـيْ الـى شـمـسٍ تُـضـيءُ الـدربَ
إنْ حـاصَـرَنـي ذئـبُ الـحُـلَـكْ
فـأعـادتْ قـولـهـا
مـن خـلـفِ شِــقِّ الـبـابِ ـ أو سِــتِّ سـمـاواتٍ:
أجِـبـنـي مـا الـذي أعـنـيـهِ لـكْ؟
قـلـتُ:
شـمـسٌ وأنـا مـن حـولِـهـا جُـرمٌ «سـمـاويٌّ» صـغـيـرٌ
يـا مَـلَـكْ
و»بُـراقٌ» يـعـرفُ الـدربَ الـى الـفـردوسِ
لـكـنْ
مـن ضــيــاءٍ لا كـمـا بـاقـي الـفَـلَـكْ
فـإذا صـوتٌ كـمـا الـوحـيُ
أتـانـي مـن وراءِ الـبـابِ
نـادانـي:
لِـتـدخـلْ فـأنـا قـد «هَـيْـتُ لـكْ»
فـاقـتَـطِـفْ مـا شـئـتَ مـن فـاكـهـتـي
واشــربْ نـمـيـري واتَّـخِـذْنـي دون أنـهـارِ الـغـوانـي
مـنـهَـلَـكْ
واحـتـرسْ
مـن غـضـبِ الـنـحـلـةِ
إنْ خـنـتَ شــذا وادي زهـورِ الـلـوزِ
واحـذرْ
إنَّ إيـنـانـا إذا جـزتَ مَـداهـا
تـمـسـكُ الـمـاءَ عـن الـحـقـلِ وتُـظـمـي جـدولَـكْ
الناقد وَالمفكر العراقي البارز الدكتور حسين سرمك حسن كشف فِي دراستِه الموسومة «يحيى السماوي وفن البساطة المربكة»، أموراً مهمة وَمثيرة عَنْ مَا يجول فِي خاطرِ البعض مِنْ أنَّ السَّماويّ يحيى قد كَتبَ نصوصاً شِعْريَّة متأثرة بـ»سفر نشيد الأناشيد»، فضلاً عَنْ إثراءِ سرمك المشهد الثقافيّ بحقيقةِ وأصل تلك الأناشيد كما سنرى فِي السطورِ التالية. وَفِي هَذَا السياق يقول سرمك: «عندما تسمع أنَّ الشاعرَ يحيى السَماويّ قد كَتبَ نصوصاً شِعْريَّة متأثرة بـ»سفر نشيد الأناشيد، فإنك سوف تتساءل عَن التأثيراتِ الَّتِي خضعَ لها يحيى فِي كتابته لهذه النصوص؛ فهو ليس يهودياً، وَلَمْ يترعرع في بيئةٍ تقرأ الكتاب المقدس أو السفر المعني، وَلا تحتفظ مكتبتهم العائلية بنسخةٍ مِنه فِي حدودِ علمنا. فهو مسلم مِنْ مدينةِ السَماوة وأبوه الحاج عبّاس، نشأ وترعرع فِي بيئةٍ دينية محافظة عَلَى تقاليدها وموروثها الديني الإسلامي، ولا توفر ثقافة أبيه الإسلامية والمحيط الَّذِي نما فِيه وتمسك بطقوسِه أيّ فرصة لقراءةِ الكتاب المقدس لأبنائِه، فما بالك بالعهدِ العتيق والأكثر تمأزقا، مَا بالك بسفرِ نشيد الإنشاد بلغته المعقدة وإيحاءاته الجنسية والغزلية. فهذا النص لا يُمكن أن يُعَدّ نصاً دينياً أبداً، وقد فشلت كُلّ محاولات المرجعيات الدينية اليهودية والمسيحية فِي تبريرِ وجوده فِي العهدِ العتيق وترقيع دلالاته الروحية والدينية، فهو نص حسّي ملفّق ولا علاقة له بالآلهةِ ولا بالأنبياءِ ولا بالعباداتِ ولا بالطقوسِ التوراتية، بل هو ضدها فِي بعضِ المواقف والإستعارات المأخوذة مِنْ شعوبٍ يسخط عليها «يهوه» ويذمها ويدعو أبناءه إلى الانعزالِ عَنها وَنبذها». وَيستمر الناقد سرمك فِي بحثِه قائلاً «قد يعترض قارئ مقتدر بالقولِ إنَّ الكثيرَ مِن الشُّعراءِ يقرؤون مصادر معينة وَيتأثرون بِها. ثم هناك مخزون لاشعور الشَّاعِر الجمعي الَّذِي يتجاوز حدود الجغرافيا المَحَلِّيَّة وَيستند إلى رموزٍ ومكونات وتجارب مشتركة بَيْنَ جميع أبناء البشر. وأقول هذا صحيح.. ولكن أ ليس الأولى بشَّاعِرٍ عراقي مِنْ أهلِ السَماوة وهي تقع فِي دائرةِ حضارة سومر أنْ يحتفظ لا شعوره الجمعي بمخزونِ الحضارة الَّتِي نشأ وترعرع عَلَى أرضِها، وأحاطت بنشأتِه مؤثراتها وتفتحت ذائقته الثقافيَّة عَلَى منجزاتِها؟ وَهل نصدم هَذَا القارئ المحق فِي تساؤلِه إذا قلنا إنَّ نشيدَ الأناشيد المكون مِنْ سبعِ صفحات مِن القطعِ الصغير، وحظي بتلالٍ مِن الكتبِ والبحوث والدراسات الَّتِي لم يحظَ بِمثلِها أيّ نص «ديني» قصير آخر، مأخوذ – بشهادةِ الكثير مِن الباحثين أو «مسروق» – مِنْ تراثِ سومر وتحديدا من «أناشيد الحب السومرية» وخصوصا أناشيد الزواج الإلهي على الرغم من أنني لا أميل إلى تسميتها بتسمية «أناشيد» المتأخرة المأخوذة مِن التوراةِ وأفضّل تسميتها الأصلية: «قصائد أو نصوص أو غنائيات سومرية». ويؤكد سرمك بأسلوبِ المقارنة أنْ لا صلة لنصوصِ يحيى عباس السماوي بسفرِ نشيد الأناشيد، لا من الناحية اللغوية ولا التصويرية ولا المضمونية ولا الجمالية؛ إذ أنَّ بنيةَ الصوتين المتحاورين «الحبيب والحبيبة» فِي نشيدِ الأناشيد غير موجودة – بحسبِه – فِي نصوص يحيى مطلقا، فالنصوص كلّها قائمة عَلَى الصوتِ الواحد «ضمير المتكلم»، وهذا حال الأغلبية المطلقة لقصائدِ السَماويّ يحيى عبر حياته الشعرية المديدة، وقد تكون نرجسيته الشِعْريَّة واحداً مِنْ أهمِ العوامل وراء هَذِه السمة الأسلوبية.
يـا أنـتِ
يـا مِـشـكـاتـيَ الـدُّريَّـةَ الأنـوارِ فـي لـيـلِ الـصَّـبـابـةِ
يـا أنـا يـا كـوكـبـيْ الأرضـيَّ
يـا محـرابَ شِـعـري واعـتـكـافـي
يـا أوّل الـخـطـواتِ
فـي إســراءِ قـلـبـي نـحـو فـردوسِ الـهـوى:
مـن أيـن يـدخـلُ حـقـلـنـا
ذئـبُ الـتـجـافـي؟
نـحـن ابـتـكـرْنـا لـلـهـوى لـغـةَ الـمـودَّةِ والـتـبـتُّـلِ
والـتـصـافـي
الـغـصـنُ لا يـجـفـو الـجـذورَ
ولــيــسَ مـن طــبــعِ الــضـفـافِ
أنْ تـرتـدي ثـوبَ الـرَّحـيـلِ
إذا تـعـرّى الـنـهـرُ مـن أمـواجـهِ بـعـدَ الـجـفـافِ
عـلَّـمْـتِـني الـتـحـلـيـقَ مـا بـيـن الـطِـبـاقِ
وكـنـتِ مـن صـدري وأجـنـحـتـي الـقـوادمَ والـخَـوافـي
أكـمـلـتُ سـِـتَّـاً فـي ســمـاواتِ الـطـوافِ
ولا يـزالُ الـقـلـبُ فـي بـدءِ الـطـوافِ
حـيـنـاً أسَــبِّـحُ مُـسـتـعـيـذاً بـالـقـطـوفِ الـدّانـيـاتِ
مـن الـفـيـافـي
وأفـيـضُ حـيـنـاً بـالـغـنـاءِ عـلـى مـقـام الـلـثـمِ
طـفـلاً يـرتـدي ثـوبـاً
مـن الـفـرَحِ الـخـرافـي
كـفـرَتْ بـغـيـرِ نـدى زهـورِ الـلـوزِ
كـاسـاتُ ارتـشـافـي
وكـفـرْتِ إلآ بـالـوفـاءِ
وبـالـعـفـافِ
مـتـلازمـانِ
كـمـا الـمُـضـافُ إلـيـهِ يُـلـزَمُ
بـالـمُـضـافِ
لـولاكِ لـم تـعـرفْ رغـيـفَ الـعـشـقِ مـائـدتـي
ولا اسـتـعـذبـتُ قـبـلـكِ مـتـعـةَ الإســراءِ مـن خـمـر الـضَّـيـاعِ
الى يـنـابـيـعِ الـسُّـلافِ
وكـتـبـتُ بـالـمـحـراثِ فـي تـنُّـورِ واديـكِ
اعـتـرافـي:
شـفـتـاكِ بـسـتـانـانِ مـن شـجَـر الـبـلاغـةِ
والـقـوافـي
فـأنـا وأنـتِ الـصَّـخـرتـانِ
وعـشـقـنـا ـ لا السـفـحُ ـ ثـالـثـةُ الأثـافـي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى