اراءالنسخة الرقمية

مجلس مكافحة الفساد .. خطوة تحتاج إلى دعم

فراس زوين

ان مكافحة الفساد تكاد تمثل نصف عمل الدولة. بهذه العبارة افتتح رئيس الوزراء عادل عبد المهدي اجتماعاً للمجلس الاعلى لمكافحة الفساد، هذا التشكيل الذي أسّس من قبل رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي في تشرين الأوّل من عام 2015، ولكن لم يتم تفعيله بالشكل الذي اُسس من أجله، وبقى مهملاً على الرفوف حتى إعادة تشكيله من قبل رئيس الوزراء الحالي بالأمر الديواني رقم (70) بهدف اتخاذ الإجراءات الرادعة وتوحيد جهود الجهات الرقابية في سياق عمل جديد قادر على التصدي لأية جهة أو شخصية فاسدة مهما كان موقعها، واستناداً إلى هذا الأمر الديواني، فإن المجلس يتألف من عضوين من مجلس القضاء الأعلى، ورئيسي ديوان الرقابة المالية الاتحادي وهيأة النزاهة، إضافة إلى ممثل عن مكاتب المفتشين العموميين، ومكتب رئيس الوزراء. ويشير الأمر إلى أن للمجلس 8 مهام رئيسة تهدف الى محاربة الفساد المالي والإداري واسترجاع الأموال المنهوبة.

تعد محاربة الفساد وهدر المال العام طريقاً طويلاً سلكته العديد من شعوب العالم وحكوماته المختلفة، وهناك تجارب عالمية عديدة في هذا المجال لاقى قسم منها الفشل والقليل منها النجاح مثل تجارب (سنغافورة ، جورجيا ، ماليزيا ، بلغاريا) ولعل العراق في مسيرته هذه يحذوا حذو غيره من الدول التي نجحت في كسر شوكة الفساد ومحاسبة الطبقة الفاسدة التي شملت في بعض الاحيان المسؤولين المتواطئين، والنواب، ورجال الأعمال، وموظفي الخدمة المدنية والذين يشتركون جميعاً في تكوين تنظيمٍ سريٍّ لديه من الموارد الإدارية ما يجعله يشعر بأنه يأمن العقاب، وتعد تجربة جورجيا احدى التجارب الأكثر شبهاً بالواقع العراقي فقد خاضت هذه الحرب المقدسة بعد ان كانت من أكثر دول العالم فسادا قبل الثورة البرتقالية في تشرين الثاني 2003، وكانت المافيا الجورجية أخطر من المافيا الروسية والرشوة جزءاً من الثقافة العامة، كما هو حال العراق اليوم و وصل بهم الحال ان رجال الامن هم زعماء العصابات الاجرامية ويطالبون الشعب بإتاوات لحمايتهم، ووصلت بهم الحال ان الى الإعلان علنياً ان أية معاملة حكومية لا يمكن ان تتم إلا بعد دفع رشوة للموظف المسؤول، ولكن ذلك لم يمنعهم من القيام بثورة عارمة على الفساد ورموزه مهما كانت درجة تسلطهم وتنفذهم داخل السلطة الحاكمة والشروع ببناء استراتيجية فعالة لمكافحة الفساد من خلال نشر الوعي الثقافي بأهمية الإصلاح وضرورة القضاء على الفساد ولنشر هذه التوعية اعتمدت الحكومة الجورجية على مجموعة قرأت صعبة تتركز حول اعتماد الدماء الشابة والجديدة في اغلب الدوائر الحكومية، والاعتماد على الحكومة الالكترونية من خلال الاستفادة من التطورات التكنولوجية، وشن الهجوم المباشر والضرب بيد من حديد على رؤوس الفساد مهما كانت سلطتهم ومكانتهم الاجتماعية والسياسية، وكانت نتيجة مسعاهم أن البنك الدولي أفاد في احد تقاريره أنّ نجاح جورجيا في مكافحة الفساد قد حطّم أسطورة أن «الفساد هو ثقافة»، حيث أثبتت أنها يمكن أن تُحقِّق نجاحاً في هذا المجال في فترة قصيرة من الزمن بإرادة سياسية قوية وبتحرك فعال من الحكومة. ان الفساد في العراق له جذوره العميقة والتي تمتد لعقود سابقة تراكمت وتضافرت فيما بينها لتشكل هذا الهرم الذي يجثوا الان على صدر العراقيين وقد استل منهم كل خيراتهم وغرس انيابه في رقابهم ليمتص منهم كل ثرواتهم الطبيعية، وان كانت الحروب المتتالية والحصار الاقتصادي في العهد السابق، والفوضى السياسية والاجتماعية والتراجع الأمني الذي شهدته البلاد منذ عام 2003 ولغاية الان قد دفعت نحو تراجع اداء الأجهزة الرقابية داخل الأجهزة الحكومية فان سيطرة مافيات الفساد وتبوء العديد من الفاسدين لمناصب حكومية عليا قد عملت على تقنين الفساد وخلق الأرضية القانونية بل وحتى تشريعية تعمل على دعم الفساد وتعطيل أي مسعى حقيقي لمحاربته، وتحت ضغط كل المعطيات السابقة اذا كانت هناك رؤيا حقيقية لمحاربة الفساد فستكون رؤيا خلاف الواقع والمنطق عند العديد من الافراد الواقعين تحت وطأة هذا الفساد والمكتوين بناره.

ان الخطر الذي قد يواجه أية محاولة حقيقية لمحاربة الفساد في العراق تكمن في تحول الفساد المالي وحالات الرشوة والنهب أو الهدر في المال العام الى ثقافة عامة ومنهج طبيعي في نظر العديد من الناس، يدعمه ويغذيه العديد من الأصوات الاجتماعية والسياسية المؤثرة، وغالباً ما تكون هذه الأصوات مؤثرة في المجتمع ويصعب مواجهتها، والحالة العراقية هنا مشابه بشكل كبير لحالة الفساد في جورجيا أو سنغافورة والتي تجذر فيها لدرجة انه اصبح عرفاً وثقافة ولكن تجربتهم في محاربة الفساد اثبتت امكانية تغيير هذه الثقافة وإرجاعها الى مسارها الصحيح.

ان الاخفاقات العديدة والمحاولات الشكلية المتتالية خلال السنوات السابقة في محاربة الفساد وتحول الأمر الى شعار اجوف يرفع في حالات الأزمة ليكمم أفواه الناس ويصبرهم على تجرع المزيد من مرارة السياسيين الذين لعبوا بمستقبل الناس ومقدراتهم، فعلى الرغم من ان العراق يملك العديد من المؤسسات لمكافحة الفساد وكل حسب اختصاصه لغرض التأمين الرقابة المال العام من الهدر أو السرقة أو أية حالة من حالات الفساد، مثل مكاتب المفتشين العموميين، وديوان الرقابة المالية، وهيأة النزاهة، بالإضافة الى الدور الرقابي الذي يمثله مجلس النواب ولكن العراق لا يزال في ذيل دول العالم في محاربة الفساد اذ احتل العراق المرتبة 168 في مدركات الفساد لعام 2018 وهو رقم وتسلسل يعكس حجم الهوة التي يقع فيها. على الرغم من انقسام التيارات السياسية ما بين مؤيد ومعارض والشعور بعدم الجدوى من قبل العديد من الناس اتجاه اعادة احياء المجلس الأعلى لمكافحة الفساد والذي ولد ميتاً كما يراه البعض إلا ان التفاؤل وتوقع الأفضل هو ما يجب ان يتسلح به كل من يرغب بالتغيير الحقيقي وخصوصاً بعد فشل كل التشكيلات الحكومية السابقة في محاربة الفساد أو الحد منه، فلا معنى من الرفض المسبق بل بالعكس يجب ان يأخذ هذا المجلس فرصته وان يبدأ عمله وبعد ذلك تأتي مرحلة التقييم وخصوصاً اذا كان البديل هو الرضوخ للفساد وتوقع الأسوأ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى